زاد المعاد

لا يستحيي من الحقِّ. لا تأتوا النِّساء في أعجازهنَّ».

وقال الشَّافعيُّ١: أخبرني عمِّي محمد بن علي بن شافع، قال: أخبرني عبد الله بن علي بن السائب، عن عمرو بن أُحَيحَة بن الجُلَاح، عن خزيمة بن ثابتٍ أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ عن إتيان النِّساء في أدبارهنَّ، فقال: «حلال». فلمَّا ولَّى دعاه فقال: «كيف قلتَ في أيِّ الخُرْبتين٢ ــ أو: في أيِّ الخُرْزتين ــ أو: في أيِّ الخُصْفَتين ــ أمِن دبرها في قبلها؟ فنعم. أم من دبرها في دبرها؟ فلا. إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ. لا تأتوا النِّساء في أدبارهنَّ».

قال الرَّبيع: فقيل للشَّافعيِّ: فما تقول؟ فقال: عمِّي ثقةٌ. وعبد الله بن علي ثقةٌ، وقد أثنى على الأنصاريِّ خيرًا يعني عمرو بن الجُلاح. وخزيمة ممَّن لا يُشكُّ في ثقته. فلست أرخِّص فيه، بل أنهى عنه.

  1. (١) في «الأمّ» (٥/ ١٨٦). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٨٩٤٣ - ٨٩٤٦)، والطَّحاويُّ في «مشكل الآثار» (٦١٣٢) وفي «معاني الآثار» (٣/ ٤٣)، وغيرهما. وفي إسناده اختلاف كثير. وصحَّحه الشَّافعيُّ كما في «خلاصة البدر المنير» (٢/ ٢٠١)، وابن الملقِّن، وأعلَّه ابن حجر في «التَّلخيص الحبير» (٣/ ٣٦٧) بقوله: «فيه عمرو بن أحيحة، وهو مجهول الحال»، وتعقَّبه الألبانيُّ في «الإرواء» (٧/ ٦٧).
  2. (٢) حط: «الخرتين»، والخُرْت: الثقب أيضًا غير أن المروي هنا ما أثبت.
378

قلت: ومن هنا١ نشأ الغلط على من نُقِل عنه الإباحةُ من السَّلف والأئمَّة، فإنَّهم أباحوا أن يكون الدُّبر طريقًا إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدُّبر لا في الدُّبر؛ فاشتبه على السَّامع «مِنْ» بـ «في»، أو لم يظنَّ بينهما فرقًا. فهذا الذي أباحه السَّلف والأئمَّة، فغلط عليهم الغالطُ أقبحَ الغلط وأفحشَه.

وقد قال تعالى: ﴿تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. قال مجاهد: سألت ابن عبَّاسٍ عن قوله تعالى: ﴿تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فقال: تأتيها من حيث أُمِرْتَ أن تعتزلَها٢. يعني في الحيض. وقال علي بن أبي طلحة عنه يقول: في الفرج، ولا يَعْدُه٣ إلى غيره٤.

وقد دلَّت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين:

أحدهما: أنَّه أباح إتيانها في الحَرْث وهو موضعُ الولد، لا في الحُشِّ الذي هو موضع الأذى. وموضعُ الحرث هو المراد من قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، قال: ﴿لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وإتيانُها في قُبلها من دبرها مستفادٌ من الآية أيضًا، لأنَّه قال: ﴿حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: من أين شئتم من أمامٍ أو من خلفٍ. قال ابن عبَّاسٍ: ﴿لَكُمْ فَأْتُوا﴾ يعني: الفرج٥.

  1. (١) ل، ن: «هاهنا»، وفي د: «هذا».
  2. (٢) أخرجه الدَّارمي (١١٦٠)، والطَّبري في «تفسيره» (٣/ ٧٣٥)، وعزاه في «الدُّرِّ المنثور» (٢/ ٥٨٥) أيضًا لابن المنذر.
  3. (٣) ز، س: «ولا تعده» بالتاء.
  4. (٤) أخرجه الطَّبري في «تفسيره» (٣/ ٧٣٦)، والبيهقي في «الكبرى» (١/ ٣٠٩، ٧/ ١٩٦)، وعزاه في «الدُّرِّ المنثور» (٢/ ٥٨٥) أيضًا لابن المنذر.
  5. (٥) أخرجه الطَّبري في «تفسيره» (٣/ ٧٤٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ١٩٦).
379

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي