زاد المعاد

قلت: ومن هنا١ نشأ الغلط على من نُقِل عنه الإباحةُ من السَّلف والأئمَّة، فإنَّهم أباحوا أن يكون الدُّبر طريقًا إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدُّبر لا في الدُّبر؛ فاشتبه على السَّامع «مِنْ» بـ «في»، أو لم يظنَّ بينهما فرقًا. فهذا الذي أباحه السَّلف والأئمَّة، فغلط عليهم الغالطُ أقبحَ الغلط وأفحشَه.

وقد قال تعالى: ﴿تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. قال مجاهد: سألت ابن عبَّاسٍ عن قوله تعالى: ﴿تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فقال: تأتيها من حيث أُمِرْتَ أن تعتزلَها٢. يعني في الحيض. وقال علي بن أبي طلحة عنه يقول: في الفرج، ولا يَعْدُه٣ إلى غيره٤.

وقد دلَّت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين:

أحدهما: أنَّه أباح إتيانها في الحَرْث وهو موضعُ الولد، لا في الحُشِّ الذي هو موضع الأذى. وموضعُ الحرث هو المراد من قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، قال: ﴿لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وإتيانُها في قُبلها من دبرها مستفادٌ من الآية أيضًا، لأنَّه قال: ﴿حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: من أين شئتم من أمامٍ أو من خلفٍ. قال ابن عبَّاسٍ: ﴿لَكُمْ فَأْتُوا﴾ يعني: الفرج٥.

  1. (١) ل، ن: «هاهنا»، وفي د: «هذا».
  2. (٢) أخرجه الدَّارمي (١١٦٠)، والطَّبري في «تفسيره» (٣/ ٧٣٥)، وعزاه في «الدُّرِّ المنثور» (٢/ ٥٨٥) أيضًا لابن المنذر.
  3. (٣) ز، س: «ولا تعده» بالتاء.
  4. (٤) أخرجه الطَّبري في «تفسيره» (٣/ ٧٣٦)، والبيهقي في «الكبرى» (١/ ٣٠٩، ٧/ ١٩٦)، وعزاه في «الدُّرِّ المنثور» (٢/ ٥٨٥) أيضًا لابن المنذر.
  5. (٥) أخرجه الطَّبري في «تفسيره» (٣/ ٧٤٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ١٩٦).
379

وإذا كان الله حرَّم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظَّنُّ بالحُشِّ الذي هو١ محلُّ الأذى اللَّازم، مع زيادة المفسدة بالتَّعرُّض لانقطاع النَّسل، والذَّريعة القريبة جدًّا من أدبار النِّساء إلى أدبار الصِّبيان٢.

وأيضًا: فللمرأة حقٌّ على الرجل في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوِّت حقَّها ولا يقضي وطرها، ولا يحصِّل مقصودها.

وأيضًا: فإنَّ الدُّبر لم يتهيَّأ لهذا العمل ولم يُخلَق له، وإنَّما الذي هيِّئ له الفرجُ؛ فالعادلون عنه إلى الدُّبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعًا.

وأيضًا: فإنَّ ذلك مضرٌّ بالرَّجل. ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطبَّاء من الفلاسفة وغيرهم، لأنَّ للفرج خاصِّيَّةً في اجتذاب الماء المحتقَن٣ وراحة الرَّجل منه، والوطءُ في الدُّبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يُخرج كلَّ المحتقن لمخالفته للأمر٤ الطَّبيعيِّ.

وأيضًا: فيضرُّ من وجهٍ آخر، وهو إحواجُه٥ إلى حركاتٍ متعبةٍ جدًّا لمخالفته للطَّبيعة.

وأيضًا: فإنَّه محلُّ القذر والنَّجْو، فيستقبله الرَّجل بوجهه ويلابسه.

  1. (١) «هو» ساقط من س.
  2. (٢) وهذا الوجه الثاني من دلالة الآية.
  3. (٣) في ل هنا وفيما يأتي: «المختنق».
  4. (٤) ل، د: «الأمر».
  5. (٥) ما عدا ف، د، ن: «إخراجه»، تصحيف.
380

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي