وأنفع أوقاته: ما كان بعد انهضام الغذاء في المعدة وفي١ زمانٍ معتدلٍ، لا على جوعٍ فإنَّه يضعف الحارَّ الغريزيَّ، ولا على شِبَعٍ فإنَّه يوجب أمراضًا سُدَديَّة٢، ولا على تعبٍ، ولا إثر حمَّامٍ، ولا استفراغٍ، ولا انفعالٍ نفسانيٍّ كالغمِّ والهمِّ والحزن وشدَّة الفرح.
وأجود أوقاته: بعد هزيعٍ من اللَّيل إذا صادف انهضام الطَّعام. ثمَّ يغتسل أو يتوضَّأ، وينام عقيبه٣، فتَراجَعُ إليه قواه. وليحذر الحركة والرِّياضة عقيبه فإنَّها مضرَّةٌ جدًّا٤.
فصل
في هديه ﷺ في علاج العشق
هذا مرضٌ من أمراض القلب مخالفٌ لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه. وإذا تمكَّن واستحكم عزَّ على الأطبَّاء دواؤه، وأعيا العليل داؤه. وإنَّما حكاه الله سبحانه في كتابه عن طائفتين من النَّاس: النِّساء، وعشَّاق الصِّبيان٥ المردان. فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم
(١) الواو قبل «في» ساقطة من س.
(٢) ز، حط، ن: «شديدة»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف. وانظر: كتاب الحموي (ص ٣٥٤)، والفقرة مأخوذة منه.
(٣) ز: «عقبه» هنا وفيما يأتي.
(٤) هنا انتهى الجزء الثاني من نسخة الظاهرية (د) التي فرغ من كتابتها محمد بن محمد بن أبي شامة الحنبلي في سلخ شهر رمضان سنة ٨٥٣. وفي أول الجزء الثالث نقص كبير استمرَّ إلى «لحم الضب» في فصل المفردات.
وأمَّا ما زعمه بعض من لم يقدِّر رسول الله ﷺ حقَّ قدره أنَّه ابتلي به في شأن زينب بنت جحش، وأنَّه رآها، فقال: «سبحان مقلِّب القلوب». وأخذت بقلبه، وجعل يقول لزيد بن حارثة: «أَمْسِكْها»، حتَّى أنزل الله عليه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾[الأحزاب: ٣٧]١. فظنَّ هذا الزَّاعم أنَّ ذلك في شأن العشق.
وصنَّف بعضهم كتابًا في العشق٢، وذكر فيه عشق الأنبياء، وذكر هذه الواقعة. وهذا من جهل هذا القائل بالقرآن وبالرسول، وتحميلهِ كلامَ الله ما لا يحتمله، ونسبتهِ رسول الله ﷺ إلى ما برَّأه الله منه. فإنَّ زينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة، وكان رسول الله ﷺ قد تبنَّاه، وكان يُدعى ابن محمد٣،
(١) أخرج القصَّة بهذا المعنى الباطل ابن سعد في «الطَّبقات الكبرى» (٨/ ١٠١ - ١٠٢)، والحاكم (٤/ ٢٣)، من حديث محمَّد بن يحيى بن حبَّان مرسلًا. وفي سندها محمَّد بن عمر الواقديُّ وهو متروك، عن عبد الله بن عامر الأسلميِّ وهو ضعيف؛ ولذا قال ابن العربيِّ في «أحكام القرآن» (٣/ ٥٧٧) عن هذه الرِّواية وغيرِها ممَّا في معناها: «هذه الرِّوايات كلُّها ساقطةُ الأسانيد».
(٢) لم أهتد إلى الكتاب المذكور ولا مؤلفه.
(٣) أثبت الفقي: «زيد بن محمد»، وكذا في طبعة الرسالة.