وقد ثبت في الصَّحيح عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «الأرواح جنودٌ مجنَّدةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»٢. وفي «مسند الإمام أحمد»٣ وغيره في سبب هذا الحديث: أنَّ امرأةً بمكَّة كانت تُضحك النَّاس، فجاءت إلى المدينة، فنزلت على امرأةٍ تُضحك النَّاس، فقال النَّبيُّ ﷺ: «الأرواح جنودٌ مجنَّدةٌ» الحديث.
وقد استقرَّت شريعته سبحانه أنَّ حكم الشَّيء حكمُ مثله، فلا تفرِّق شريعته بين متماثلين أبدًا، ولا تجمع بين متضادَّين. ومن ظنَّ خلاف ذلك فإمَّا لقلَّة علمه بالشَّريعة، وإمَّا لتقصيره في معرفة التَّماثل والاختلاف، وإمَّا
(١) أصل هذا التقرير كلام ابن حزم في «طوق الحمامة» (ص ٩٤). وانظر: «روضة المحبين» (ص ١١٧ - ١١٨) وقد نقل هناك نصَّ كلامه.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٣٦) عن عائشة ﵂، ومسلم (٢٦٣٨) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) لم أقف عليه في «مسند الإمام أحمد». وأخرجه الزُّبير بن بكَّار في «المزاح والمفاكهة» ــ كما في «المقاصد الحسنة» (ص ١٠٤) ــ من طريق عليِّ بن أبي طالب اللَّهبيِّ، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنَّ امرأةً كانت بمكَّة تدخل على نساء قريش تضحكهنَّ، فلمَّا هاجرت ووسَّع الله تعالى دخلت المدينة، قالت عائشة: فدخلت عليَّ، فقالت لها فلانة: ما أقدمك؟ قالت: إليكنَّ، قلت: فأين نزلتِ؟ قالت: على فلانة، امرأة كانت تُضحِك بالمدينة، قالت عائشة: ودخل رسول الله ﷺ فقال: «فلانة المضحِكَة عندكم؟»، قالت عائشة: نعَم، فقال: «فعلى من نزلَت؟»، قالت: على فلانة المضحِكة، قال: «الحمد لله، إنَّ الأرواح» وذكره، قال السَّخاويُّ: «أفادت هذه الرِّواية سبب هذا الحديث». وأخرج أبو يعلى (٤٣٨١) والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٨٦٢١) هذه القصَّة، لكن فيهما استشهاد عائشة بالحديث، وليس أنَّها سبب الورود.
لنسبته إلى شريعته ما لم ينزِّل به سلطانًا، بل يكون من آراء الرِّجال. فبحكمته وعدله ظهر خلقه وشرعه، وبالعدل والميزان قام الخلق والشَّرع، وهو التَّسوية بين المتماثلين، والتَّفريق بين المختلفين١.
وهذا كما أنَّه ثابتٌ في الدُّنيا فهو كذلك يوم القيامة. قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ٢٢ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾[الصافات: ٢٢ - ٢٣]. قال عمر بن الخطَّاب وبعده الإمام أحمد: أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم٢.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾[التكوير: ٧] أي: قُرِنَ كلُّ صاحب عملٍ بشكله ونظيره، فقرن٣ بين المتحابَّين في الله في الجنَّة، وبين٤ المتحابَّين في طاعة الشَّيطان في الجحيم. فالمرء مع من أحبَّ، شاء أم أبى. وفي «صحيح الحاكم»٥ وغيره عن النَّبيِّ ﷺ: «لا يحبُّ المرءُ قومًا إلا حُشِر معهم».
(١) وانظر: «بدائع الفوائد» (٣/ ١٠٧٢).
(٢) قول عمر رواه ابن منيع ــ كما في «المطالب العالية» (٤/ ١٤٧) ــ بلفظ: «أزواجهم: أشباههم»، وصحَّحه ابن حجر. ورواه ابن جرير في «تفسيره» (٢١/ ٢٧، ٢٤/ ٢٤٤) ولفظه: «وأزواجَهم: ضُرباءَهم». وعزاه في «الدُّرِّ المنثور» (٧/ ٨٣) لعبد الرَّزَّاق والفريابيِّ وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقيِّ في «البعث»، ولفظه: «أمثالهم الذين هم مثلهم»، وصحَّحه الحاكم (٢/ ٤٣١).
(٣) حط، ل: «ففرق»، تصحيف.
(٤) في النسخ المطبوعة: «وقرن بين» بزيادة «قرن».
(٥) غيَّره محققا طبعة الرسالة إلى «مستدرك الحاكم» دون تنبيه، وقد ذكره الحاكم (٣/ ١٨) بلا إسنادٍ. وهو بمعناه في الصَّحيحين، فقد أخرج البخاريُّ (٥٨١٨)، ومسلم (٢٦٤١)، عن أبي موسى ﵁ قال: قيل للنَّبيِّ ﷺ: الرَّجل يحبُّ القومَ ولمَّا يلحق بهم؟ قال: «المرءُ مع من أحبَّ».