والمحبَّة أنواعٌ متعدِّدةٌ. فأفضلها وأجلُّها: المحبَّة في الله وللَّه، وهي تستلزم محبَّة ما أحبَّ اللَّه، وتستلزم محبَّة الله ورسوله.
ومنها محبَّة الاتِّفاق في طريقةٍ أو مذهبٍ أو دينٍ أو نِحلةٍ١ أو قرابةٍ أو صناعةٍ أو مرادٍ ما.
ومنها: محبَّةٌ لنيل غرضٍ من المحبوب، إمَّا من جاهه، أو من ماله، أو من تعليمه وإرشاده، أو قضاء وطرٍ منه. وهذه هي المحبَّة العَرَضيَّة٢ الَّتي تزول بزوال مُوجِبها، فإنه مَن ودَّك لأمرٍ ولَّى عند انقضائه٣.
وأمَّا محبَّة المشاكلة والمناسبة الَّتي بين المحبِّ والمحبوب، فمحبَّةٌ لازمةٌ لا تزول إلا لمعارضٍ٤ يزيلها. ومحبَّة العشق من هذا النَّوع، فإنَّها استحسانٌ روحانيٌّ وامتزاجٌ نفسانيٌّ. ولا يعرض في شيءٍ من أنواع المحبَّة من الوسواس والنُّحول وشغل البال والتَّلف ما يعرض من العشق٥.
فإن قيل: فإذا كان سبب العشق ما ذكرتم من الاتِّصال والتَّناسب
(١) ل: «محلة».
(٢) حط، ل: «الغرضية».
(٣) مقولة «من ودَّك لأمر ...» تنسب إلى «بعض ملوك الهند»، وقيل: وجدت على خاتمه. انظر: «البصائر والذخائر» (١/ ١٢٧) و«التذكرة الحمدونية» (١/ ٢٧٧). وانظر: «العزلة» للخطابي (ص ٥٢). والمصنف صادر عن «طوق الحمامة» (ص ٩٥).
(٤) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «لعارض».
(٥) انظر: «طوق الحمامة» (ص ٩٦).
الرُّوحانيِّ، فما باله لا يكون دائمًا من الطَّرفين، بل تجده كثيرًا من طرف العاشق وحده؟ فلو كان سببه الاتِّصال النَّفسيَّ والامتزاج الرُّوحانيَّ لكانت المحبَّة مشتركةً بينهما١.
فالجواب: أنَّ السَّبب قد يتخلَّف عنه مسبَّبُه لفوات شرطٍ، أو لوجود مانعٍ. وتخلُّفُ المحبَّة من الجانب الآخر لا بدَّ أن يكون لأحد ثلاثة أسبابٍ:
الأوَّل٢: علَّةٌ في المحبَّة، وأنَّها محبَّةٌ عرضيَّةٌ غرضية٣، لا ذاتيَّةٌ. ولا يجب الاشتراك في المحبَّة العرضيَّة الغرضية، بل قد يلزمها نفرةٌ من المحبوب.
الثَّاني: مانعٌ يقوم بالمحبِّ يمنع محبَّة محبوبه له، إمَّا في خَلْقه أو في خُلُقه أو هَدْيه أو فعله أو هيئته أو غير ذلك.
الثَّالث: مانعٌ يقوم بالمحبوب يمنع مشاركته للمحبِّ في محبَّته. ولولا ذلك المانع لقام به من المحبَّة لمحبِّه مثلُ ما قام بالآخر.
فإذا انتفت٤ هذه الموانع، وكانت المحبَّة ذاتيَّةً، فلا تكون قطُّ إلا من الجانبين. ولولا مانعُ الكبر والحسد والرِّياسة والمعاداة في الكفَّار لكانت الرُّسل أحبَّ إليهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم. ولمَّا زال هذا المانع من
(١) قارن هذا الإيراد وجوابه بما قاله ابن حزم في المصدر السابق.
(٢) لفظ «الأول» ساقط من ز.
(٣) لفظة «غرضية» ساقطة من النسخ المطبوعة، وكذا «الغرضية» فيما يأتي. ظنَّها ناسخ أو ناشر مكررة إذ قرأها بالعين المهملة كسابقتها.