تجلب عليه هذه الشَّهوة من مفاسد عاجِلَته، وما تمنعه من مصالحها؛ فإنَّها أجلَبُ شيءٍ لمفاسد الدُّنيا، وأعظَمُ شيءٍ تعطيلًا لمصالحها؛ فإنَّها تحول بين العبد وبين رشده الذي هو ملاك أمره وقوام مصالحه.
فإن لم تقبل نفسه هذا الدَّواء، فليتذكَّر قبائح المحبوب وما يدعوه إلى النُّفرة عنه؛ فإنَّه إن طلبها وتأمَّلها وجدها أضعاف محاسنه الَّتي تدعو إلى حبِّه. وليسأل جيرانه عمَّا خفي عليه منها. فإنَّ المحاسن كما هي داعية الحبِّ١ والإرادة، فالمساوي داعية البغض والنُّفرة. فليوازن بين الدَّاعيين، وليحبَّ أسبقهما وأقربهما منه بابًا. ولا يكن ممَّن غرَّه ثوبُ٢ جمالٍ على جسمٍ أبرص مجذومٍ. وليجاوز بصرُه حسنَ الصُّورة٣ إلى قبح الفعل، وليعبُرْ من حسن المنظر والجسم إلى قبح المَخْبَر والقلب.
فإن عجزت عنه هذه الأدوية كلُّها لم يبق له إلا صدقُ اللَّجأ إلى من يجيب المضطرَّ إذا دعاه. وليطرح٤ نفسه بين يديه على بابه مستغيثًا به، متضرِّعًا متذلِّلًا مستكينًا. فمتى وُفِّق لذلك فقد قرَع باب التَّوفيق. وَلْيعفَّ، وَلْيكتُمْ، ولا يشبِّبْ بذكر المحبوب، ولا يفضَحْه بين النَّاس ويعرِّضْه للأذى، فإنَّه يكون ظالمًا معتديًا٥.
(٢) ز، ل: «لوث»، وأشير في هامش س إلى هذه النسخة، وكذا في الطبعة الهندية. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «لون».
(٣) س: «الصور».
(٤) ز: «فليطرح».
(٥) ز، ل، ن: «متعدِّيًا».
ولا يغترَّ بالحديث الموضوع على رسول الله ﷺ، الذي رواه سويد بن سعيدٍ، عن عليِّ بن مسهرٍ، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ ﷺ. ورواه عن أبي مسهرٍ أيضًا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ. ورواه الزُّبير بن بكَّارٍ عن عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، عن عبد العزيز بن أبي حازمٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد، عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «من عشِقَ، فعفَّ، فمات، فهو شهيدٌ»١. وفي روايةٍ: «من عشق، وكتَم، وعفَّ، وصَبر= غفر الله له، وأدخله الجنَّة»٢. فإنَّ هذا الحديث لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ. ولا يجوز أن يكون من كلامه، فإنَّ الشَّهادة درجةٌ عاليةٌ عند اللَّه، مقرونةٌ بدرجة الصِّدِّيقيَّة، ولها أعمالٌ وأحوالٌ هي شرطٌ في حصولها. وهي نوعان: خاصَّةٌ، وعامَّةٌ. فالخاصَّة: الشَّهادة في سبيل اللَّه.
والعامَّة خمسٌ مذكورةٌ في
(١) أخرجه بهذا اللَّفظ الخرائطيُّ في «اعتلال القلوب» (١٠٦)، وابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ٣٥٢)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٥/ ٣٦٤، ٦/ ٤٨، ١١/ ٢٩٥، ١٣/ ١٨٥).
(٢) أخرجه بهذا اللَّفظ الخطيب في «تاريخ بغداد» (٢/ ٣٣٠)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٣/ ١٩٥). قال المصنِّف في «الداء والدواء» (ص ٥٧١ - ٥٧٢): «كلام حفَّاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان، وإليهم يُرجع في هذا الشَّأن، ولا صحَّحه ولا حسَّنه أحدٌ يُعوَّل في علم الحديث عليه، ويُرجَع في التَّصحيح إليه، ولا مَن عادتُه التَّسامحُ والتَّساهل، فإنَّه لم يصف نفسه له، ويكفي أنَّ ابن طاهر الَّذي يتساهَل في أحاديث التَّصوُّف ويروي منها الغثَّ والسَّمين قد أنكره وشهد ببطلانه». وينظر: «العلل المتناهية» (٢/ ٢٨٥)، و«المقاصد الحسنة» (١١٥٣)، و«السلسلة الضعيفة» (٤٠٩).