زاد المعاد

ولا يغترَّ بالحديث الموضوع على رسول الله ﷺ، الذي رواه سويد بن سعيدٍ، عن عليِّ بن مسهرٍ، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ ﷺ. ورواه عن أبي مسهرٍ أيضًا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ. ورواه الزُّبير بن بكَّارٍ عن عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، عن عبد العزيز بن أبي حازمٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد، عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «من عشِقَ، فعفَّ، فمات، فهو شهيدٌ»١. وفي روايةٍ: «من عشق، وكتَم، وعفَّ، وصَبر= غفر الله له، وأدخله الجنَّة»٢. فإنَّ هذا الحديث لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ. ولا يجوز أن يكون من كلامه، فإنَّ الشَّهادة درجةٌ عاليةٌ عند اللَّه، مقرونةٌ بدرجة الصِّدِّيقيَّة، ولها أعمالٌ وأحوالٌ هي شرطٌ في حصولها. وهي نوعان: خاصَّةٌ، وعامَّةٌ. فالخاصَّة: الشَّهادة في سبيل اللَّه.

والعامَّة خمسٌ مذكورةٌ في

  1. (١) أخرجه بهذا اللَّفظ الخرائطيُّ في «اعتلال القلوب» (١٠٦)، وابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ٣٥٢)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٥/ ٣٦٤، ٦/ ٤٨، ١١/ ٢٩٥، ١٣/ ١٨٥).
  2. (٢) أخرجه بهذا اللَّفظ الخطيب في «تاريخ بغداد» (٢/ ٣٣٠)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٣/ ١٩٥). قال المصنِّف في «الداء والدواء» (ص ٥٧١ - ٥٧٢): «كلام حفَّاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان، وإليهم يُرجع في هذا الشَّأن، ولا صحَّحه ولا حسَّنه أحدٌ يُعوَّل في علم الحديث عليه، ويُرجَع في التَّصحيح إليه، ولا مَن عادتُه التَّسامحُ والتَّساهل، فإنَّه لم يصف نفسه له، ويكفي أنَّ ابن طاهر الَّذي يتساهَل في أحاديث التَّصوُّف ويروي منها الغثَّ والسَّمين قد أنكره وشهد ببطلانه». وينظر: «العلل المتناهية» (٢/ ٢٨٥)، و«المقاصد الحسنة» (١١٥٣)، و«السلسلة الضعيفة» (٤٠٩).
397

الصَّحيح١، ليس العشق واحدًا منها.

وكيف يكون العشق الذي هو شركٌ في المحبَّة، وفراغٌ٢ عن اللَّه، وتمليكُ القلب والرُّوح والحبِّ لغيره= تُنال به درجةُ الشَّهادة؟ هذا من المحال، فإنَّ إفساد عشق الصُّور للقلب فوق كلِّ إفسادٍ، بل هو خمرُ الرُّوح الذي يُسكرها، ويصدُّها عن ذكرِ الله وحبِّه، والتَّلذُّذِ بمناجاته، والأنسِ به؛ ويوجب عبوديَّة القلب لغيره، فإنَّ قلب العاشق متعبد لمعشوقه. بل العشق لبُّ العبوديَّة، فإنَّها كمال الذُّلِّ والحبِّ والخضوع والتَّعظيم. فكيف يكون تعبُّدُ القلب لغير الله ممَّا تنال به درجةُ أفاضل الموحِّدين وسادتهم وخواصِّ الأولياء؟ فلو كان إسناد هذا الحديث كالشَّمس كان غلطًا ووهمًا٣. ولا يُحفَظ عن رسول الله ﷺ لفظُ العشق في حديثٍ صحيحٍ البتَّة.

ثمَّ إنَّ العشق منه حلال، ومنه حرام. فكيف يظنُّ برسول الله ﷺ٤ أنَّه يحكم على كلِّ عاشقٍ يكتُم ويعِفُّ بأنَّه شهيدٌ. أفَترى من يعشق امرأة غيره أو يعشق المردان والبغايا، ينال بعشقه درجة الشُّهداء؟ وهل هذا إلا خلاف المعلوم من دينه ﷺ؟ كيف والعشق مرضٌ من الأمراض الَّتي جعل الله سبحانه لها الأدوية شرعًا وقدرًا؟ والتَّداوي منه إمَّا واجبٌ إن كان عشقًا حرامًا، وإمَّا مستحبٌّ.

  1. (١) وذلك في حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه البخاري (٦٥٣) وفيه: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله».
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «وفراغ القلب»، والظاهر أن لفظ «القلب» زيادة ناسخ أو ناشر.
  3. (٣) س: «وهنا»، تحريف.
  4. (٤) هنا كتب ناسخ الأصل (ف): «صلم»، ومن عادته كتابة «صلى الله علم».
398

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي