تلبينة: قد تقدَّم أنَّها ماء الشَّعير المطحون١، وذكرنا٢ منافعها وأنَّها أنفع لأهل الحجاز من ماء الشَّعير الصَّحيح.
حرف الثَّاء
ثلج: ثبت في «الصَّحيحين»٣ عنه٤ﷺ أنَّه قال: «اللَّهمَّ اغسلني من خطاياي بالماء والثَّلج والبرد».
وفي هذا الحديث من الفقه: أنَّ الدَّاء يداوى بضدِّه، فإنَّ في الخطايا من الحرارة والحريق ما يضادُّه الثَّلج والبرد والماء البارد. ولا يقال: إنَّ الماء الحارَّ أبلغ في إزالة الوسخ، لأنَّ في الماء البارد من تصليب الجسم وتقويته ما ليس في الحارِّ. والخطايا توجب أثرين: التَّدنيس والإرخاء، فالمطلوب مداواتها بما ينظِّف القلبَ ويصلِّبه، فذكرُ الماء البارد والثَّلج والبرد إشارةٌ إلى هذين الأمرين.
وبعد، فالثَّلج باردٌ على الأصحِّ. وغلِط من قال٥: حارٌّ، وشبهته تولُّد
(١) لفظ «ماء» ساقط من ن، ولفظ «المطحون» من س.
(٢) ن: «وذكر».
(٣) ز، حط، ن: «الصحيح». وهو من حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه البخاري (٧٤٤) ومسلم (٥٩٨).
(٤) في النسخ المطبوعة: «عن النبي».
(٥) لم أقف عليه. وقال جمال الدين الأقسرائي (ت نحو ٧٧٥) في «حلِّ الموجز» نسخة ويلكوم (١٢٦/ب): «من الناس من ظنَّ أن الثلج حار، وليس بحق. نعم، في داخله أجزاء دخانية صعدية. وهو بارد بالطبع يابس بالعرض». ونقل السرَّمرِّي في «شفاء الآلام» (٨٢/أ) كلام شيخه ابن القيم بعينه.
الحيوان فيه، وهذا لا يدلُّ على حرارته، فإنَّه يتولَّد في الفواكه الباردة وفي الخلِّ. وأمَّا تعطيشه فلتهييجه للحرارة، لا لحرارته في نفسه. ويضرُّ المعدة والعصَب. وإذا كان وجعُ الأسنان من حرارةٍ مفرطةٍ سكَّنها.
ثوم١: هو قرين البصل في الحديث٢. وفي الحديث: «مَن أكلهما فليُمِتْهما طبخًا»٣. وأهدي إليه طعامٌ فيه ثومٌ، فأرسل به إلى أبي أيُّوب الأنصاريِّ. فقال: يا رسول اللَّه تكرهه، وترسل به إليَّ؟ فقال: «إنِّي أناجي من لا تناجي»٤.
وبعد، فهو حارٌّ يابسٌ في الرَّابعة. يُسْخِن إسخانًا قويًّا، ويجفِّف تجفيفًا بالغًا. نافعٌ للمبرودين ولمن مزاجه بلغميٌّ ولمن أشرف على الوقوع في الفالج. وهو مجفِّفٌ للمنيِّ٥، مفتِّحٌ للسُّدَد، محلِّلٌ للرِّياح الغليظة، هاضمٌ للطَّعام، قاطعٌ للعطش، مطلِقٌ للبطن، مُدِرٌّ للبول. يقوم في لسع الهوامِّ وجميع
(٣) أخرجه أبو داود (٣٨٢٧)، والنَّسائي في «الكبرى» (٦٦٤٧)، وأحمد (١٦٢٤٧)، من حديث قرَّة بن إياس ﵁، وهو حديث حسنٌ، تقدَّم تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري (٨٥٥، ٧٣٥٩) ومسلم (٥٦٤) من حديث جابر بن عبد الله. وانظر حديث أبي أيوب الأنصاري في: «صحيح مسلم» (٢٠٥٣). والمؤلف صادر في سياقة الحديث عن كتاب الحموي.
(٥) في «الحاوي» (٦/ ٧٨) أنه حكي عن ديسقوريدوس قوله إنَّ الثوم «مجفِّف للمعدة، وذلك غلط. والذي أحسب أنه قال: إنه مجفِّف للمني». وقد نقل ابن البيطار (١/ ١٥٢) عن الرازي ضد ما سبق.