زاد المعاد

ومن كان به مرضٌ١ يحتاج إلى الكيِّ وكُوِي به لم يتنفَّط موضعُه ويبرأ سريعًا. وإن اتُّخذ منه مِيلٌ واكتُحِل به قوَّى العين وجلاها. وإذا اتُّخذ منه خاتمٌ فصُّه منه وأُحمِيَ وكُوي به قوادمُ أجنحة الحمام ألفِت أبراجَها ولم تنتقل عنها.

وله خاصِّيَّةٌ عجيبةٌ في تقوية النُّفوس، لأجلها أبيح في الحرب والسِّلاح منه ما أبيح٢. وقد روى الترمذي٣ من حديث مَزِيدة العَصَري٤ قال: دخل رسول الله يوم الفتح، وعلى سيفه ذهبٌ وفضَّةٌ.

وهو معشوق النُّفوس الَّتي متى ظفرت به سلَّاها عن غيره من محبوبات الدُّنيا. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤].

  1. (١) في الأصل وغيره: «برص»، والصواب ما أثبت من ل وحدها، وكذا في النسخ المطبوعة. وما ذكر هنا نقله الرازي في «الحاوي» (٤/ ١٧٣) من كتاب في الفصد منسوب إلى جالينوس.
  2. (٢) انظر: «شرح العمدة» لشيخ الإسلام (٢/ ٣١٤)، و«الآداب الشرعية» (٣/ ٢٣ - ٢٤).
  3. (٣) (١٦٩٠) من طريق هود بن عبد الله بن سعد، عن جدِّه مزيدة به. وإسناده ضعيف؛ لجهالة هودٍ. قال التِّرمذي: «هذا حديث غريب»، وقال الذَّهبي في «الميزان» (٢/ ٣٣٣): «هذا منكر، فما علمنا في حليةِ سيفِه ﷺ ذهبًا»، وضعَّف إسناده الألبانيُّ في «الإرواء» (٣/ ٣٠٦).
  4. (٤) ز، س: «بريدة»، وفي (حط): «فريدة» مع علامة الإهمال فوق الراء، وكلاهما تصحيف.
454

وفي «الصَّحيحين»١: عن النَّبيِّ ﷺ: «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهبٍ لابتغى إليه ثانيًا. ولو كان له ثانٍ لابتغى إليه ثالثًا. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التُّراب. ويتوب الله على من تاب».

هذا وإنَّه أعظم حائلٍ بين الخليقة وبين فوزها الأكبر يوم معادها، وأعظمُ شيءٍ عُصي الله به. وبه قُطعت الأرحام، وأريقت الدِّماء، واستُحِلَّت المحارم، ومُنِعت الحقوق، وتظالَمَ العباد. وهو المرغِّب في الدُّنيا وعاجلها، والمزهِّد في الآخرة وما أعدَّ الله لأوليائه فيها. فكم أميت به من حقٍّ، وأحيي به من باطلٍ، ونُصِر به ظالمٌ، وقُهِر به مظلومٌ! وما أحسن ما قال فيه أبو القاسم٢ الحريري:

تبًّا له من خادعٍ مماذقِأصفرَ ذي وجهين كالمنافقِ
يبدو بوصفين لِعَين الرَّامقِزينة معشوقٍ ولون عاشقِ
وحبُّه عند ذوي الحقائقِيدعو إلى ارتكاب سُخْط الخالقِ
لولاه لم تُقطَع يمينُ سارقِولا بدت مظلمةٌ من فاسق
ولا اشمأزَّ باخلٌ من طارقِولا شكا الممطولُ مطلَ العائق

ولا استعيذ من حَسودٍ مائقِ٣... وشرُّ ما فيه من الخلائقِ

  1. (١) البخاري (٦٤٣٩) ومسلم (١٠٤٨) من حديث أنس.
  2. (٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة التي حذفت «أبو القاسم» دون تنبيه كعادتها. وذلك لأن الحريري هو القاسم بن علي وكنيته أبو محمد. أما أبو القاسم فكنية ولده عبد الله بن القاسم، والذي في النسخ سهوٌ وقع في أصل المؤلف فيما يبدو.
  3. (٣) كذا في الأصل وغيره إلا (حط) التي فيها: «راشق» كما في النسخ المطبوعة و«المقامات»، يعني: العائن.
455

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي