وهو من أعظم الفاكهة موافقةً لأهل المدينة وغيرها من البلاد الَّتي هو فاكهتهم فيها، وأنفعها للبدن؛ وإن كان من لم يعتَدْه يُسرع التَّعفُّنُ في جسده ويتولَّد عنه دمٌ ليس بمحمودٍ. ويحدث عن إكثاره منه صداعٌ وسوداء، ويؤذي أسنانه. وإصلاحُه بالسِّكَنْجَبين٢ ونحوه٣.
وفي فطر النَّبيِّ ﷺ من الصَّوم عليه أو على التَّمر أو الماء تدبيرٌ لطيفٌ جدًّا. فإنَّ الصَّوم يخلِّي المعدة من الغذاء، فلا تجد الكبدُ فيها ما تجتذبه وتُرسله إلى القوى والأعضاء، فتضعُف٤. والحلوُ أسرع شيءٍ وصولًا إلى الكبد وأحبُّه إليها، ولا سيَّما إن كان رطبًا، فيشتدُّ قبولُها له، فتنتفع به هي والقوى. فإن لم يكن فالتَّمر لحلاوته وتغذيته. فإن لم يكن فحَسَواتُ الماء تطفئ لهيب المعدة وحرارة الصَّوم، فتتنبَّه٥ بعده للطَّعام، وتأخذه بشهوةٍ.
(١) من قوله: «حار رطب» إلى هنا منقول من كتاب الحموي (ص ٥٣٤).
(٢) دواء مركَّب من الخلِّ والعسل ونحوه. واللفظ فارسي معرَّب. وهو مركَّب من «سِك» بمعنى الخلِّ و«أنگبين» بالكاف الفارسية بمعنى العسل.
(٣) انظر: كتاب الحموي (ص ٥٣٤).
(٤) «فتضعف» ساقط من النسخ المطبوعة.
(٥) س، ل، ن: «فتنتبه».
(٦) كتاب الحموي (ص ٣٩٩ - آس) و(ص ٥٣٨ - ريحان).
وفي «صحيح مسلم»١ عن النَّبيِّ ﷺ: «من عُرض عليه ريحانٌ فلا يردُّه، فإنَّه خفيف المَحْمِل طيِّب الرَّائحة».
وفي «سنن ابن ماجه»٢: من حديث أسامة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «ألا مشمِّرٌ للجنَّة! فإنَّ الجنَّة لا خطر لها. هي وربِّ الكعبة نورٌ يتلألأ، وريحانةٌ تهتزُّ، وقصرٌ مشيدٌ، ونهرٌ مطَّردٌ، وثمرةٌ نضيجةٌ، وزوجةٌ حسناء جميلةٌ، وحُلَلٌ كثيرةٌ، ومقامٌ في أبد، في دارٍ سليمةٍ وفاكهة وخُضرة، وحَبْرة ونعمة، في محلَّة عالية٣ بهيَّة». قالوا: نعم يا رسول اللَّه، نحن المشمِّرون لها. قال: «قولوا: إن شاء الله». فقال القوم: إن شاء اللَّه.
الرَّيحان كلُّ نبتٍ طيِّب الرِّيح، فكلُّ أهل بلدٍ يخصُّونه بشيءٍ من ذلك.
(١) برقم (٢٢٥٣) من حديث أبي هريرة ﵁، وقد تقدم.
(٢) برقم (٤٣٣٢) من طريق الضَّحَّاك المعافريِّ، عن سليمان بن موسى، عن كريب مولى ابن عباس، عنه به. وأخرجه أيضًا الفسويُّ في «المعرفة والتَّاريخ» (١/ ٣٠٤)، والبزَّار (٢٥٩١)، وغيرهما. وصحَّحه ابن حبَّان (٧٣٨١)، لكن الضَّحَّاك المعافري تفرَّد بالرواية عنه محمَّد بن مهاجر، وشيخه سليمان متكلَّم فيه. وضعَّف الحديث المنذريُّ في «التَّرغيب» (٤/ ٢٨٤)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٢٦٥)، والألباني في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٣٣٥٨).
(٣) كذا جاء متن الحديث في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة التي تصرَّفت في المتن وأثبتت دون تنبيه: «وحُلَل كثيرة في مقام أبدًا في حبرة ونضرة في دور عالية سليمة بهيَّة». وهذا لفظ الحديث في «سنن ابن ماجه». ولكن المصنف أورده هكذا مع عزوه إلى السنن في «حادي الأرواح» (١/ ٢٩١) و«روضة المحبين» (ص ٣٥٦) أيضًا. وهو لفظ ابن أبي داود في «البعث» (٧٢) وقِوَام السُّنَّة في «الترغيب والترهيب» (١٠٠٣) والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٥٦٥٤). قال المنذري: «رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا و...». ولعل المصنف صدر عن كتاب المنذري.