يستاك وهو صائمٌ. وقال البخاريُّ١: قال ابن عمر: يستاك أوَّل النَّهار وآخره.
وأجمع النَّاس على أنَّ الصَّائم يتمضمض وجوبًا واستحبابًا، والمضمضة أبلغ من السِّواك. وليس لله ورسوله٢ غرضٌ في التَّقرُّب إليه بالرَّائحة الكريهة، ولا هي من جنس ما شُرِع التَّعبد به. وإنَّما ذُكِر طيبُ الخُلوف عند الله يوم القيامة حثًّا منه على الصَّوم، لا حثًّا على إبقاء الرَّائحة؛ بل الصَّائم أحوج إلى السِّواك من المفطر٣.
وأيضًا، فإنَّ رضوان الله أكبر من استطابته لخلوف فم الصَّائم.
وأيضًا، فإنَّ محبَّته للسِّواك أعظم من محبَّته لبقاء الخلوف.
وأيضًا، فإنَّ السِّواك لا يمنع طيب الخلوف الذي يزيله السِّواك عند الله يوم القيامة، بل يأتي الصَّائم يوم القيامة وخُلوف فمه أطيَبُ من المسك علامةً
(١) في كتاب الصَّوم، باب اغتسال الصَّائم. ووصله ابن أبي شيبة (٩٢٤٩) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنَّه كان يستاك إذا أراد أن يدفع إلى الظُّهر وهو صائم. ووصله أيضًا البيهقيُّ في «الكبرى» (٤/ ٢٧٣) من طريق عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، عن أبيه، عن ابن عمر أنَّه كان يستاك وهو صائم. ويُروى مرفوعًا، قال ابن الملقِّن في «البدر المنير» (٥/ ٧٤١): «الصَّحيح وقفه على ابن عمر».
(٢) لم يرد «ورسوله» في النسخ المطبوعة. ولعل بعضهم حذفه.
(٣) هنا حاشية طويلة في (حط) منقولة بخط ناسخها، وأولها: «مما يستدل به على استحباب السواك للصائم كغيره أن الشيء الواحد له حكمان عند الله: أحدهما بالنسبة إلى الدنيا، والثاني بالنسبة إلى الآخرة ...». وانظر لهذا النص: «العدة في شرح العمدة» لابن العطار (١/ ١٤٨).
على صيامه، ولو أزاله بالسِّواك؛ كما أنَّ الجريح يأتي يوم القيامة ولونُ دم١ جُرحه لونُ الدَّم، وريحُه ريحُ المسك، وهو مأمورٌ بإزالته في الدُّنيا.
وأيضًا، فإنَّ الخلوف لا يزول بالسِّواك، فإنَّ سببه قائمٌ وهو خلوُّ المعدة عن الطَّعام. وإنَّما يزول أثره، وهو المنعقد على الأسنان واللِّثة.
وأيضًا، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّم أمَّته ما يستحَبُّ لهم في الصِّيام وما يُكرَه لهم. ولم يجعل السِّواك من القسم المكروه، وهو يعلم أنَّهم يفعلونه. وقد حضَّهم عليه بأبلغ ألفاظ العموم والشُّمول، وهم يشاهدونه يستاك صائمًا٢ مرارًا كثيرةً تفوت الإحصاء، ويعلم أنَّهم يقتدون به، ولم يقل لهم يومًا من الدَّهر: لا تستاكوا بعد الزَّوال. وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة ممتنع. والله أعلم.
سَمْن٣: روى محمَّد بن جريرٍ الطَّبريُّ بإسناده من حديث صهيب يرفعه: «عليكم بألبان البقر، فإنَّها شفاءٌ، وسمنها دواءٌ، ولحومها داءٌ»٤.
(١) لفظ «دم» ساقط من س، حط.
(٢) في النسخ المطبوعة: «وهو صائم».
(٣) كتاب الحموي (ص ٥١١) نقل منه المادة الطبية.
(٤) أخرجه أبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٣٢٥، ٧٦٦) من طريق الطَّبريِّ. قال ابنُ مفلح تعليقًا على كلام المصنِّفَ في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٨٥): «دفَّاع ضعَّفه أبو حاتم ووثَّقه ابن حبَّان، ومحمَّد بن موسى هو ابن بزيغ الجريريُّ، لم أجد له ترجمةً في ثقاتٍ ولا ضعفاءَ، ويخطر على بالي أنَّ العقيليَّ قال: لا يُتابع على حديثه، وباقي الإسنادِ حَسن، وليس هذا الخبرُ بذاك الضَّعيفِ الواهي، وقد ذكر بعضُهم أنَّ هذا الإسنادَ لا يثبُت، كذا قال وفيه نظر». وقال الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٥٨٥): «هذا إسنادٌ لا بأس به في الشَّواهد، وهو على شرط ابن حبَّان، فإنَّه وثَّق جميع رجاله، وفي بعضهم خلاف». وفي الباب عن ابن مسعود وابن عبَّاس ومليكة بنت عمرو ﵄. وينظر: «الأجوبة المَرضية» للسخاوي (١/ ٢١ - ٢٥).