مفترًى. وإنَّما حكى الله عنه الضِّيافة بالشِّواء، وهو العجل الحنيذ١.
وذكر البيهقي٢ عن إسحاق قال: سئل ابن المبارك عن الحديث الذي جاء في العدس أنَّه «قُدِّس على لسان سبعين نبيًّا»، فقال: ولا على لسان نبيٍّ واحدٍ. وإنَّه لمؤذٍ منفِّخٌ! من يحدِّثكم به؟ قالوا: سَلْم بن سالمٍ. فقال: عمَّن؟ قالوا: عنك. قال: وعنِّي أيضًا!
حرف الغين المعجمة٣
غَيث٤: مذكور في القرآن في عدَّة مواضع. وهو لذيذ الاسم على السَّمع، والمسمَّى على الرُّوح والبدن. تبتهج الأسماعُ بذكره، والقلوبُ بوروده.
وماؤه أفضل المياه، وألطفها، وأنفعها، وأعظمها بركةً، ولا سيَّما إذا كان من سحابٍ راعدٍ، واجتمع في مستنقعات الجبال. وهو أرطب من سائر المياه لأنَّه لم تطُل مدَّته على الأرض، فيكتسبَ من يبوستها؛ ولم يخالطه جوهرٌ يابسٌ. ولذلك يتغيَّر ويعفَن٥ سريعًا للطافته وسرعة انفعاله.
وهل الغيث الرَّبيعيُّ ألطف من الشِّتويِّ، أو بالعكس؟ فيه قولان.
(٢) في «شعب الإيمان» (٥٥٤٩). وأخرجه أيضًا ابن عديٍّ في «الكامل» (٤/ ٣٤٨)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٩/ ١٤٤).
(٣) لفظ «المعجمة» انفرد به الأصل (ف).
(٤) كتاب الحموي (ص ٤٩١ - ٤٩٢).
(٥) في النسخ المطبوعة: «يتعفَّن». وفي مخطوطة كتاب الحموي (١٥٤/أ) كما أثبت.
قال من رجَّح الغيث الشِّتويَّ: حرارة الشَّمس تكون حينئذٍ أقلَّ، فلا تجتذب من ماء البحر إلا ألطفَه. والجوُّ صافٍ وهو خالٍ من الأبخرة الدُّخانيَّة والغبار المخالط للماء. وكلُّ هذا يوجب لطفه وصفاءه وخلوَّه من مُخالط.
قال من رجَّح الرَّبيعيَّ: الحرارة توجب تحلُّل الأبخرة الغليظة، وتوجب رقَّة الهواء ولطافته، فيخفُّ بذلك الماءُ، وتقلُّ أجزاؤه الأرضيَّة، وتصادف وقت حياة النَّبات والأشجار وطيب الهواء.
وذكر الشَّافعيُّ١ عن أنس بن مالكٍ قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ فأصابنا مطرٌ، فحسَر عنه٢ وقال: «إنَّه حديث عهدٍ بربِّه». وقد تقدَّم في هديه في الاستسقاء ذكرُ استمطاره ﷺ وتبرُّكه بماء الغيث عند أوَّل مجيئه.
حرف الفاء
فاتحة الكتاب وأمُّ القرآن والسَّبعُ المثاني: الشِّفاء٣ التَّامُّ، والدَّواء النَّافع، والرُّقية التَّامَّة، ومفتاح الغنى والفلاح، وحافظة القوَّة، ودافعة الهمِّ والغمِّ والخوف والحزن، لمن عرف مقدارها، وأعطاها حقَّها، وأحسن تنزيلَها على دائه، وعرف وجهَ الاستشفاء والتَّداوي بها، والسِّرَّ الذي لأجله كان كذلك.
(١) قال الشَّافعيُّ في «الأمِّ» (١/ ٢٨٨): «بلغنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يتمطَّر في أوَّلِ مطرةٍ حتَّى يصيب جسده». وينظر: «البيان» للعمرانيِّ (٢/ ٦٨٨). وحديث أنس ﵁ أخرجه مسلم (٨٩٨).
(٢) كذا في النسخ الخطية والطبعات القديمة، وفي كتاب الحموي (ص ٥٦٢). يعني: فحسر النبي ﷺ عنه ثوبه حتى أصابه المطر. وقد غيَّره الفقي إلى «فحسر عن ساقه»! ثم غُيِّر في طبعة الرسالة إلى «فحسر رسول الله ﷺ ثوبه»، وحُذف «عنه»!
(٣) في النسخ المطبوعة: «والشفاء»، وهو خطأ مخلٌّ بالسياق.