ولعمر الله إنَّ شأنها لأعظم من ذلك، وهي فوق ذلك. وما تحقَّق عبد بها واعتصم بها، وعقَل عمَّن تكلَّم بها، وأنزلها شفاءً تامًّا وعصمةً بالغةً ونورًا مبينًا، وفهمها وفهم لوازمها كما ينبغي؛ ووقع في بدعةٍ ولا شركٍ، ولا أصابه مرضٌ من أمراض القلوب إلا لِمامًا غير مستقرٍّ١.
هذا، وإنَّها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض، كما أنَّها المفتاح لكنوز الجنَّة؛ ولكن ليس كلُّ واحدٍ يُحسن الفتحَ بهذا المفتاح! ولو أنَّ طلَّاب الكنوز وقفوا على سرِّ هذه السُّورة، وتحقَّقوا بمعانيها، وركَّبوا لهذا المفتاح أسنانًا، وأحسنوا الفتحَ به= لوصلوا إلى تناول الكنز من غير مُعاوقٍ ولا ممانعٍ.
ولم نقل هذا مجازفةً ولا استعارةً، بل حقيقةً. ولكن لله سبحانه حكمةٌ بالغةٌ في إخفاء هذا السِّرِّ عن نفوس أكثر العالمين، كما له حكمةٌ بالغةٌ في إخفاء كنوز الأرض عنهم. والكنوز المحجوبة قد استُخْدِم عليها أرواحٌ خبيثةٌ شيطانيَّةٌ تحول بين الإنس وبينها، ولا يقهرها إلا أرواحٌ علويَّةٌ شريفةٌ غالبةٌ لها بحالها الإيمانيِّ، معها منه أسلحةٌ لا تقوم لها الشَّياطين. وأكثرُ نفوس النَّاس ليست بهذه المثابة، فلا تقاوم تلك الأرواح ولا تقهرها، ولا تنال مِن سَلَبها شيئًا؛ فإنَّ مَن قتَل قتيلًا فله سَلَبُه٢.
فاغية٣: هي نَور الحنَّاء، وهي من أطيب الرَّياحين. وقد روى البيهقي
(١) وانظر ما سبق في هديه ﷺ في رقية اللديغ بالفاتحة.
(٢) يشير إلى حديث أبي قتادة الذي أخرجه البخاري (٣١٤٢) ومسلم (١٧٥١). وانظر في تفصيل مطالب سورة الفاتحة الفصول الأولى من «مدارج السالكين» للمؤلف.
(٣) كتاب الحموي (ص ٥٢٤ - ٥٢٥).
في كتابه «شعب الإيمان»١ من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه يرفعه: «سيِّد الرَّياحين في الدُّنيا والآخرة: الفاغية». وروى فيه٢ أيضًا عن أنس بن مالكٍ قال: كان أحبَّ الرَّياحين إلى رسول الله ﷺ الفاغية. والله أعلم بحال هذين الحديثين، فلا نشهد على رسول الله ﷺ بما لا نعلم صحَّته.
وهي معتدلةٌ في الحرِّ واليبس، فيها بعض القبض، وإذا وضعت بين طيِّ ثياب الصُّوف حفظتها من السُّوس. وتدخل في مراهم الفالِج والتَّمدُّد٣. ودهنُها يحلِّل الإعياء٤، ويليِّن العصَب.
(١) بالأرقام (٥٥١٠، ٥٦٧٥، ٥٦٧٦). وأخرجه أيضًا ابن قتيبة في «غريب الحديث» (١/ ٢٩٨)، والطَّبراني في «الأوسط» (٧٤٧٧)، وتمَّام في «الفوائد» (٢٩٨)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٦٣٥). كلُّهم من طرقٍ عن أبي هلال محمَّد بن سليم الرَّاسبيِّ، عن عبد الله بن بريدة به. قال السُّيوطي في «جِياد المسلسلات» (ص ٩٣): «أبو هلال وُثِّق، وفيه بعض الضَّعف»، لكن الطُّرق إليه كلُّها واهية، ينظر: «السلسلة الضعيفة» (٣٥٧٩). ويُروى موقوفًا.
(٢) برقم (٥٦٧٣) من طريق عبد الحميد بن قدامة، عن أنس به، والنقل من كتاب الحموي. وأخرجه أيضًا الطَّبرانيُّ في «الكبير» (١/ ٢٥٤). ونقل العقيلي في «الضُّعفاء» (٣/ ٤٧) عن البخاري أنَّه قال: «عبد الحميد بن قدامة عن أنس في الفاغية، لا يتابع عليه»، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (١٧٥٧).
(٣) في «القانون» (٢/ ١٥٠): «التمدُّد مرض آليّ يمنع القوة المحركة عن قبض الأعضاء التي من شأنها أن تنقبض لآفة في العضل والعصب».
(٤) ل: «الأعضاء»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها، وهو تحريف. وفي كتاب الحموي عن «القانون» (١/ ٤٧٤) ما أثبت من الأصل وغيره، وكذا في الطبعة الهندية.