دليلٍ يبيِّنه: إمَّا نصٍّ أو إجماعٍ. فإن ثبت أحدهما، وإلَّا ففي القلب من تحريم ذلك على الرِّجال شيءٌ. والنَّبيُّ ﷺ أمسك بيده ذهبًا، وبالأخرى حريرًا، وقال: «هذان حرامٌ على ذكور أمَّتي، حِلٌّ لإناثهم»١.
والفضَّة سرٌّ من أسرار الله في الأرض. وهي طِلَّسْم الحاجات وأحساب٢ أهل الدُّنيا بينهم. وصاحبها مرموقٌ بالعيون بينهم، معظَّمٌ في النُّفوس، مصدَّرٌ في المجالس، لا تغلق دونه الأبواب، ولا تُمَلُّ مجالستُه ولا معاشرتُه، ولا يستثقل مكانُه. تشير الأصابع إليه، وتعقد العيونُ نطاقها عليه. إن قال سُمِع لقوله، وإن شفَع قُبلت شفاعتُه، وإن شَهِد زكِّيت شهادتُه. وإن خطَب فكفءٌ لا يعاب، وإن كان ذا شيبةٍ بيضاء فهي أجمل عليه من حُلَّة٣ الشَّباب.
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٥٧)، والنَّسائيُّ (٥١٤٤ - ٥١٤٧)، وابن ماجه (٣٥٩٥) واللَّفظ له، وأحمد (٧٥٠، ٩٣٥)، من حديث عليٍّ ﵁. قال ابن المديني كما في «الأحكام الوسطى» (٤/ ١٨٤): «حديث حسن، ورجاله معروفون»، وصحَّحه ابن حبَّان (٥٤٣٤)، وحسَّنه النَّووي في «المجموع» (٤/ ٤٤٠)، وله شواهد كثيرة، قال التِّرمذيُّ بعدما أخرجه من حديث أبي موسى (١٧٢٠): «وفي الباب عن عمر، وعليٍّ، وعقبة بن عامر، وأنس، وحذيفة، وأمِّ هانئ، وعبد الله بن عمرو، وعمران بن حصين، وعبد الله بن الزُّبير، وجابر، وأبي ريحان، وابن عمر، وواثلة بن الأسقع»، ينظر: «نزهة الألباب» للوائلي (٥/ ٢٥٢٣ - ٢٥٤٣)، و«البدر المنير» (١/ ٦٤٠ - ٦٥٠)، و«الإرواء» (١/ ٣٠٥ - ٣٠٩).
(٢) جمع الحسَب. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «إحسان».
(٣) في النسخ المطبوعة: «حلية»، تحريف.
وهي من الأدوية المفرِّحة النَّافعة من الغمِّ والهمِّ١ والحزن، وضعف القلب وخفقانه. وتدخل في المعاجين الكبار، وتجتذب بخاصِّيَّتها ما يتولَّد في القلب من الأخلاط الفاسدة خصوصًا إذا أضفتَ٢ إلى ذلك العسلَ المصفَّى والزَّعفران. ومزاجها إلى البرودة واليبوسة. ويتولَّد عنها من الحرارة والرُّطوبة ما يتولَّد٣.
والجنانُ الَّتي أعدَّها الله ﷿ لأوليائه يوم يلقونه أربعٌ: جنَّتان من ذهبٍ، وجنَّتان من فضَّةٍ: آنيتُهما وحِليتُهما وما فيهما٤.
وقد ثبت عنه ﷺ في الصَّحيح٥ أنَّه قال: «الَّذي يشرب في آنية الذَّهب والفضَّة إنَّما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنَّم».
وصحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: «لا تشربوا في آنية الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صِحافهما، فإنَّها لهم في الدُّنيا ولكم في الآخرة»٦.
فقيل: علَّة التَّحريم تضييق النُّقود، فإنَّها إذا اتُّخذت أواني فاتت الحكمة الَّتي وُضِعت لأجلها من قيام مصالح بني آدم. وقيل: العلَّة الفخر والخيلاء.
(١) ل، ن: «الهم والغم».
(٢) حط، ن: «أضيف». وفي ز: «أضيفت»، وهو تصحيف.
(٣) لم أقف على مصدر المصنف في ذكر هذه الخواص، والفضة لم يذكرها الحموي. وانظر في خواصها: «منهاج ابن جزلة» (ص ٦٢٥ - ٦٢٦) و«مفردات ابن البيطار» (٣/ ١٦٣ - ١٦٤) و«المعتمد» لابن رسول (ص ٣٦٥).
(٤) أخرجه البخاري (٤٨٧٨) ومسلم (١٨٠) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٥) أخرجه مسلم (٢٠٦٥) من حديث أم سلمة ﵂.
(٦) أخرجه البخاري (٥٤٢٦) ومسلم (٢٠٦٧) من حديث حذيفة بن اليمان.