وهي من الأدوية المفرِّحة النَّافعة من الغمِّ والهمِّ١ والحزن، وضعف القلب وخفقانه. وتدخل في المعاجين الكبار، وتجتذب بخاصِّيَّتها ما يتولَّد في القلب من الأخلاط الفاسدة خصوصًا إذا أضفتَ٢ إلى ذلك العسلَ المصفَّى والزَّعفران. ومزاجها إلى البرودة واليبوسة. ويتولَّد عنها من الحرارة والرُّطوبة ما يتولَّد٣.
والجنانُ الَّتي أعدَّها الله ﷿ لأوليائه يوم يلقونه أربعٌ: جنَّتان من ذهبٍ، وجنَّتان من فضَّةٍ: آنيتُهما وحِليتُهما وما فيهما٤.
وقد ثبت عنه ﷺ في الصَّحيح٥ أنَّه قال: «الَّذي يشرب في آنية الذَّهب والفضَّة إنَّما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنَّم».
وصحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: «لا تشربوا في آنية الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صِحافهما، فإنَّها لهم في الدُّنيا ولكم في الآخرة»٦.
فقيل: علَّة التَّحريم تضييق النُّقود، فإنَّها إذا اتُّخذت أواني فاتت الحكمة الَّتي وُضِعت لأجلها من قيام مصالح بني آدم. وقيل: العلَّة الفخر والخيلاء.
(١) ل، ن: «الهم والغم».
(٢) حط، ن: «أضيف». وفي ز: «أضيفت»، وهو تصحيف.
(٣) لم أقف على مصدر المصنف في ذكر هذه الخواص، والفضة لم يذكرها الحموي. وانظر في خواصها: «منهاج ابن جزلة» (ص ٦٢٥ - ٦٢٦) و«مفردات ابن البيطار» (٣/ ١٦٣ - ١٦٤) و«المعتمد» لابن رسول (ص ٣٦٥).
(٤) أخرجه البخاري (٤٨٧٨) ومسلم (١٨٠) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٥) أخرجه مسلم (٢٠٦٥) من حديث أم سلمة ﵂.
(٦) أخرجه البخاري (٥٤٢٦) ومسلم (٢٠٦٧) من حديث حذيفة بن اليمان.
وقيل: العلَّة كسرُ قلوب الفقراء والمساكين إذا رأوها وعاينوها١.
وهذه العلل فيها ما فيها، فإنَّ التَّعليل بتضييق النُّقود يمنع من التَّحلِّي بها وجعلِها سبائك ونحوِها ممَّا ليس بآنيةٍ ولا نقدٍ. والفخر والخيلاء حرامٌ بأيِّ شيءٍ كان. وكسرُ قلوب المساكين لا ضابط له، فإنَّ قلوبهم تنكسر بالدُّور الواسعة، والحدائق المعجبة، والمراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، والأطعمة اللَّذيذة، وغير ذلك من المباحات. فكلُّ هذه عللٌ منتقضةٌ، إذ توجد العلَّة ويتخلَّف معلولها.
فالصَّواب أنَّ العلَّة ــ والله أعلم ــ ما يكسب استعمالُها القلبَ من الهيئة والحالة المنافية للعبوديَّة منافاةً ظاهرةً. ولهذا علَّل النَّبيُّ ﷺ بأنَّها للكفَّار في الدُّنيا، إذ ليس لهم نصيبٌ من العبوديَّة الَّتي ينالونها٢ بها في الآخرة. فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدُّنيا وإنَّما يستعملها من خرج عن عبوديَّته ورضي بالدُّنيا وعاجلها من الآخرة. والله أعلم.
حرف القاف
قرآن: قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[الإسراء: ٨٢]. والصَّحيح: أنَّ «مِنْ» هاهنا لبيان الجنس، لا للتَّبعيض٣. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي﴾[يونس: ٥٧].