وقيل: العلَّة كسرُ قلوب الفقراء والمساكين إذا رأوها وعاينوها١.
وهذه العلل فيها ما فيها، فإنَّ التَّعليل بتضييق النُّقود يمنع من التَّحلِّي بها وجعلِها سبائك ونحوِها ممَّا ليس بآنيةٍ ولا نقدٍ. والفخر والخيلاء حرامٌ بأيِّ شيءٍ كان. وكسرُ قلوب المساكين لا ضابط له، فإنَّ قلوبهم تنكسر بالدُّور الواسعة، والحدائق المعجبة، والمراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، والأطعمة اللَّذيذة، وغير ذلك من المباحات. فكلُّ هذه عللٌ منتقضةٌ، إذ توجد العلَّة ويتخلَّف معلولها.
فالصَّواب أنَّ العلَّة ــ والله أعلم ــ ما يكسب استعمالُها القلبَ من الهيئة والحالة المنافية للعبوديَّة منافاةً ظاهرةً. ولهذا علَّل النَّبيُّ ﷺ بأنَّها للكفَّار في الدُّنيا، إذ ليس لهم نصيبٌ من العبوديَّة الَّتي ينالونها٢ بها في الآخرة. فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدُّنيا وإنَّما يستعملها من خرج عن عبوديَّته ورضي بالدُّنيا وعاجلها من الآخرة. والله أعلم.
حرف القاف
قرآن: قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[الإسراء: ٨٢]. والصَّحيح: أنَّ «مِنْ» هاهنا لبيان الجنس، لا للتَّبعيض٣. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي﴾[يونس: ٥٧].
(٣) كما تقدَّم في هدي النبي ﷺ في رقية اللديغ بالفاتحة (ص ٢٥٢). وانظر: «الداء والدواء» (ص ٦) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٢٢).
فالقرآن هو الشِّفاء التَّامُّ من جميع الأدواء القلبيَّة والبدنيَّة، وأدواء الدُّنيا والآخرة. وما كلُّ أحدٍ يؤهَّل ولا يوفَّق للاستشفاء به. وإذا أحسن العليل التَّداوي به، ووضَعَه على دائه بصدقٍ وإيمانٍ، وقبولٍ تامٍّ، واعتقادٍ جازمٍ، واستيفاء شروطه= لم يقاومه الدَّاءُ أبدًا.
وكيف تقاوم الأدواءُ كلامَ ربِّ الأرض والسَّماء، الذي لو نزل على الجبال لصدَّعها، أو على الأرض لقطَّعها؟ فما من مرضٍ من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيلُ الدِّلالة على دوائه، وسببه، والحِمْية منه، لمن رزقه الله فهمًا في كتابه. وقد تقدَّم في أوَّل الكلام على الطِّبِّ بيانُ إرشاد القرآن العظيم إلى أصوله ومجامعه الَّتي هي: حفظُ الصِّحَّة، والحِمْية، واستفراغ المؤذي؛ والاستدلال بذلك على سائر أفراد هذه الأنواع.
وأمَّا الأدوية القلبيَّة، فإنَّه يذكرها١ مفصَّلةً، ويذكر أسباب أدوائها وعلاجها. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾[العنكبوت: ٥١]، فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه اللَّه ومن لم يكفه فلا كفاه اللَّه.
قِثَّاء٢: في السُّنن من حديث عبد الله بن جعفر أنَّ رسول الله ﷺ كان يأكل القثَّاء بالرُّطب. رواه الترمذي وغيره٣.
(١) س: «فإنها تذكر».
(٢) كتاب الحموي (ص ٥٣٠ - ٥٣١).
(٣) كذا في كتاب الحموي. وقد أخرجه الترمذي في «الجامع» (١٨٤٤)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح غريب». وهو في «الصَّحيحين»، وقد عزاه المصنِّف فيما تقدَّم إليهما.