فالقرآن هو الشِّفاء التَّامُّ من جميع الأدواء القلبيَّة والبدنيَّة، وأدواء الدُّنيا والآخرة. وما كلُّ أحدٍ يؤهَّل ولا يوفَّق للاستشفاء به. وإذا أحسن العليل التَّداوي به، ووضَعَه على دائه بصدقٍ وإيمانٍ، وقبولٍ تامٍّ، واعتقادٍ جازمٍ، واستيفاء شروطه= لم يقاومه الدَّاءُ أبدًا.
وكيف تقاوم الأدواءُ كلامَ ربِّ الأرض والسَّماء، الذي لو نزل على الجبال لصدَّعها، أو على الأرض لقطَّعها؟ فما من مرضٍ من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيلُ الدِّلالة على دوائه، وسببه، والحِمْية منه، لمن رزقه الله فهمًا في كتابه. وقد تقدَّم في أوَّل الكلام على الطِّبِّ بيانُ إرشاد القرآن العظيم إلى أصوله ومجامعه الَّتي هي: حفظُ الصِّحَّة، والحِمْية، واستفراغ المؤذي؛ والاستدلال بذلك على سائر أفراد هذه الأنواع.
وأمَّا الأدوية القلبيَّة، فإنَّه يذكرها١ مفصَّلةً، ويذكر أسباب أدوائها وعلاجها. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾[العنكبوت: ٥١]، فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه اللَّه ومن لم يكفه فلا كفاه اللَّه.
قِثَّاء٢: في السُّنن من حديث عبد الله بن جعفر أنَّ رسول الله ﷺ كان يأكل القثَّاء بالرُّطب. رواه الترمذي وغيره٣.
(١) س: «فإنها تذكر».
(٢) كتاب الحموي (ص ٥٣٠ - ٥٣١).
(٣) كذا في كتاب الحموي. وقد أخرجه الترمذي في «الجامع» (١٨٤٤)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح غريب». وهو في «الصَّحيحين»، وقد عزاه المصنِّف فيما تقدَّم إليهما.
القثَّاء باردٌ رطبٌ في الدَّرجة الثَّانية. مُطْفٍ١ لحرارة المعدة الملتهبة، بطيء الفساد فيها، نافعٌ من وجع المثانة. ورائحتُه تنفع من الغَشْي. وبِزْرُه يُدرُّ البول وورقُه إذا اتُّخذ ضمادًا نفَع من عضَّة الكلب. وهو بطيء الانحدار عن المعدة، بردُه مضرٌّ ببعضها٢. فينبغي أن يستعمل معه ما يُصلحه ويكسِر بردَه ورطوبتَه، كما فعل رسول الله ﷺ إذ أكله بالرُّطَب. فإذا أُكِل بتمرٍ أو زبيبٍ أو عسلٍ عدَّله٣.
قُسْط وكُسْت٤: بمعنًى واحدٍ. وفي «الصَّحيحين»٥ من حديث أنس عن النَّبيِّ ﷺ: «خير ما تداويتم به: الحِجامة والقُسْط البحريُّ».
وفي «المسند»٦ من حديث أم قيس عن النَّبيِّ ﷺ: «عليكم بهذا العود الهنديِّ، فإنَّ فيه سبعة أشفيةٍ، منها ذات الجنب».
القُسْط ضربان. أحدهما: الأبيض الذي يقال له: البحريُّ. والآخر: الهنديُّ، وهو أشدُّهما حرًّا. والأبيض ألينهما. ومنافعهما كثيرةٌ جدًّا٧.
(١) يعني: «مطفئٌ» بحذف الهمزة.
(٢) كذا «ببعضها» في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، ولعله سبق قلم. والصواب: «بعَصَبها». نقل الحموي عن مسيح (في المطبوع: «المسيحي»، غلط) قوله: «والخلط المتولِّد من القثَّاء رديءٌ»، ثم قال: «أقول: وذلك لغلظ جِرمه، فهو بطيء الانحدار عن المعدة، مؤذٍ لها ببرده، مضرٌّ بعصبها. فلذلك ينبغي ...».
(٣) في «منهاج ابن جزلة» (ص ٦٤٢): «ويُدفع ضرره بالعسل أو بالزبيب أو النَّانْخَواه».
(٤) كتاب الحموي (ص ٥٣٢ - ٥٣٣).
(٥) البخاري (٥٦٩٦) ومسلم (١٥٧٧)، وقد سبق في فصل الحجامة.
(٦) برقم (٢٦٩٩٧). وهو في «صحيح البخاريِّ» (٥٦٩٢)، وصحيح مسلم (٢٢١٤).
(٧) هذه الفقرة نقلها الحموي عن مسيح (في المطبوع: «المسيحي»، غلط).