زاد المعاد

وهما حارَّان يابسان في الثَّالثة، ينشِّفان البلغم، قاطعان للزُّكام. وإذا شُربا نفعا من ضعف الكبد والمعدة، ومن بردهما، ومن حمَّى الدَّور والرِّبع؛ وقطعا وجع الجنب، ونفعا من السُّموم. وإذا طلي به الوجهُ معجونًا بالماء والعسل قلَع الكلَفَ١.

وقال جالينوس: ينفع من الكُزاز ووجعِ الجنبين، ويقتل حبَّ القَرَع.

وقد خفي على جهَّال الأطبَّاء نفعُه من وجع ذات الجنب، فأنكروه٢. ولو ظفر هذا الجاهل بهذا النَّقل عن جالينوس نزَّله منزلة النَّصِّ. كيف وقد نصَّ كثيرٌ من الأطبَّاء المتقدِّمين على أنَّ القُسْط يصلح للنَّوع البلغميِّ من ذات الجنب. ذكره الخطابي عن محمَّد بن الجهم٣.

وقد تقدَّم أنَّ طبَّ الأطبَّاء بالنِّسبة إلى طبِّ الأنبياء أقلُّ من نسبة طبِّ

  1. (١) هذه الفقرة نقلها الحموي عن إسحاق بن عمران. وقد نقل داود المتطبب في «الطب النبوي» المنسوب إلى الذهبي غلطًا (ص ١٦٤) عن مسيح أن العود «يقوِّي الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح، نافع من ذات الجنب». ثم قال: «قلت: مسيح من فضلاء الأطباء».
  2. (٢) انظر: «المعلم» للمازري (٣/ ١٦٧).
  3. (٣) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وفي «أعلام الحديث» بطبعتيه السعودية (٣/ ٢١٢٢) والمغربية (٣/ ١١٥٣): «محمد بن العباس بن جهضم المصري». وفي «التوضيح» لابن الملقِّن (٢٧/ ٣٧٥) وقد نقل قول الخطابي عن ابن التين: «محمد بن العباس بن محمد المصري». ونصُّ قول الخطابي: «وقد سألت الأطباء عن هذا العلاج فلم يثبتوه، إلا أن محمد بن العباس بن جهضم المصري ذكر لي أنه قد قرأ لبعض قدماء الأطباء أن ذات الجنب إذا حدثت من البلغم نفع منه القسط البحري». وانظر: «المعلم» للمازري (٣/ ١٧١).
522

الطُّرقيَّة والعجائز إلى طبِّ الأطبَّاء، وأنَّ بين ما يُلقَّى بالوحي وبين ما يلقَّى بالتَّجربة والقياس من الفَرْق أعظمَ ممَّا بين القدم والفَرْق١!

ولو أنَّ هؤلاء الجهَّال وجدوا دواءً منصوصًا عن بعض اليهود أو النَّصارى أو المشركين من الأطبَّاء لتلقَّوه بالقبول والتَّسليم، ولم يتوقَّفوا على تجربته!

نعم، نحن لا ننكر أنَّ للعادة تأثيرًا في الانتفاع بالدَّواء وعدمه. فمن اعتاد دواءً أو غذاءً كان أنفع له وأوفق ممَّن لم يعتَدْه، بل ربَّما لم ينتفع به مَن لم يعتده.

وكلام فضلاء الأطبَّاء وإن كان مطلقًا، فهو بحسب الأمزجة والأزمنة والأماكن والعوائد. فإذا كان التَّقييد بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم، فكيف يقدح في كلام الصَّادق المصدوق؟ ولكنَّ نفوس البشر مركَّبةٌ على الجهل والظُّلم إلا من أيَّده الله بروح الإيمان، ونوَّر بصيرته بنور الهدى.

قصَب السُّكَّر: جاء في بعض ألفاظ السُّنَّة الصَّحيحة في الحوض: «ماؤه أحلى من السُّكَّر»٢. ولا أعرف السُّكَّر في الحديث إلا في هذا الموضع٣.

  1. (١) يعني: فرق الرأس، وفي ن: «القرن»، تصحيف. وانظر (ص ١٢ - ١٣).
  2. (٢) لم أقف عليه بهذا اللَّفظ، والمشهور المستفيض في هذا الحديث: «أحلى من العسل» كما عند مسلم (٢٣٠٠، ٢٣٠١) وغيره. وانظر تعقُّب ابن مُفلح على المصنف في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٤٠). على أنه قد ورد هذا الوصف «أحلى من السُّكَّر» عند ابن أبي الدنيا في كتاب «صفة الجنة» (٥٠) بإسناد ضعيف عن عطاء بن يسار مرسلًا، ولكنه ليس في وصف ماء الحوض، بل في وصف ثمر نخل الجنة. ولعل المصنف أراد هذاالحديثولكنه نقله مِن حفظه فوهم فيه.
  3. (٣) وانظر: «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٧١٠) وتعليق المحقق عليه.
523

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي