والسُّكَّر حادثٌ لم يتكلَّم فيه متقدِّمو الأطبَّاء، ولا كانوا يعرفونه، ولا يصفونه في الأشربة. وإنَّما يعرفون العسل، ويُدخلونه في الأدوية١.
وقصبُ السُّكَّر حارٌّ رطبٌ. ينفع من السُّعال، ويجلو الرُّطوبة والمثانة وقصبة الرِّئة، وهو أشدُّ تليينًا من السُّكَّر. وفيه معونةٌ على القيء، ويدرُّ البول، ويزيد في الباه٢.
قال عفَّان بن مسلمٍ الصَّفَّار: من مصَّ قصب السُّكَّر بعد طعامه لم يزل يومَه أجمعَ في سرورٍ٣. انتهى.
وهو ينفع من خشونة الصَّدر والحلق إذا شُوي٤. ويولِّد رياحًا دفعُها بأن يقشَّر ويُغسَل بماءٍ حارٍّ.
والسُّكَّر حارٌّ رطبٌ على الأصحِّ، وقيل: بارد. وأجوده: الأبيض الشَّفَّاف الطَّبَرْزَد٥. وعتيقه ألطف من جديده. وإذا طُبخ ونُزعت رغوته سكَّن العطش والسُّعال. وهو يضرُّ المعدة الَّتي تتولَّد فيها الصَّفراء لاستحالته إليها. ودفعُ ضرره بماء اللَّيمون أو النَّارنج أو الرُّمَّان اللُّفَّان٦.
(٦) هو الرُّمَّان المُزّ عند العامة في بلاد الشام، ويقال أيضًا: اللُّفَّاني. انظر: «تذكرة داود» (١/ ١٥٥) و«متن اللغة» (٥/ ١٩٦). ولما نقل هذا النص ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ١٦٢) والسرَّمرِّي في «شفاء الآلام» (١١٨/أ) استبدلا به «الرمان المزّ».
وبعض النَّاس يفضِّله على العسل لقلَّة حرارته ولينه. وهذا تحاملٌ منه على العسل، فإنَّ منافع العسل أضعاف منافع السُّكَّر، وقد جعله الله شفاءً ودواءً وأُدْمًا١ وحلاوةً. وأين نفعُ السُّكَّر من المنافع التي يدخل فيها العسل٢: من تقوية المعدة، وتليين الطَّبع، وإحداد البصر، وجلاء ظلمته، ودفع الخوانيق٣ بالغرغرة به، وإبرائه من الفالج واللَّقوة ومن جميع العلل الباردة الَّتي تحدث في جميع البدن٤ من الرُّطوبات، فيجذبها من قعر البدن؛ وحفظِ صحَّته، وتسمينه٥، والزِّيادة في الباه، والتَّحليل والجلاء، وفتح أفواه العروق، وتنقية المعى، وإحدار الدُّود، ومنع اللحم٦ وغيره من العفَن، والأُدْم النَّافع، وموافقة من غلب عليه البلغم والمشايخ وأهل الأمزجة الباردة. وبالجملة، فلا شيء أنفع منه للبدن، وفي العلاج وعَجْن٧ الأدوية وحفظ قواها، وتقوية المعدة، إلى أضعافِ أضعافِ٨ هذه المنافع. فأين للسُّكَّر مثل هذه المنافع والخصائص أو قريبٌ منها؟ والله الموفِّق.
(١) كذا مضبوطًا في الأصل (ف). وفي النسخ المطبوعة: «إدامًا».
(٢) في النسخ المطبوعة: «من منافع العسل»، وهو تصرف من بعض النساخ.
(٣) الخوانيق ورم يحدث في الحنك واللهاة والمبلع. انظر: «التنوير» للقمري (ص ٥٦).