أحدهما: أنَّ المنَّ الذي أنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحلو فقط بل أشياء كثيرةً منَّ الله عليهم بها من النَّبات الذي يوجد١ عفوًا من غير صنعةٍ ولا علاجٍ ولا حرثٍ. فإنَّ المنَّ مصدرٌ بمعنى المفعول، أي ممنونٌ به. فكلُّ ما رزقه الله العبدَ عفوًا بغير كسبٍ منه ولا علاجٍ فهو منٌّ من٢ الله تعالى عليه، لأنه لم يشُبْه كسبُ العبد، ولم يكدِّره تعبُ العمل. فهو٣ منٌّ محضٌ، وإن كانت سائر نعمه منًّا منه على عبده، فخصَّ منها ما لا كسب له فيه ولا صنع باسم «المنِّ» فإنَّه منٌّ بلا واسطة العبد. وجعل سبحانه قوتهم بالتِّيه الكمأة وهي تقوم مقام الخبز، وجعَل أُدمهم السَّلوى وهو يقوم مقام اللَّحم، وجعل حلواهم الطَّلَّ الذي ينزل على الأشجار يقوم لهم مقام الحلوى= فكمل عيشهم.
وتأمَّل قوله ﷺ: «الكمأة من المنِّ الذي أنزله الله على بني إسرائيل» فجعَلها من جملته، وفردًا من أفراده. والتَّرَنْجَبين الذي يسقط على الأشجار نوعٌ من المنِّ، ثمَّ غلب استعمال المنِّ عليه عُرفًا حادثًا.
والقول الثَّاني: أنَّه شبَّه الكمأة بالمنِّ المنزَّل من السَّماء، لأنَّه يُجمَع من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، ولا زرع بزرٍ ولا سقيٍ٤.
(١) ز، س، ن: «يؤخذ».
(٢) هكذا ضبط في حط، ل. وفي س، ن ضبط: «مِن منِّ».
(٣) العبارة: «منٌّ من الله ... فهو» ساقطة من طبعة الرسالة.
(٤) وهذا قول أبي عبيد وغيره. انظر: «أعلام الحديث» (٣/ ١٨٠٠)، و«شرح البخاري» لابن بطال (٩/ ٤١٣)، و«كشف المشكل» لابن الجوزي (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨). وهنا انتهى النقل من كتاب الحموي.
فإن قلت: فإذا كان هذا شأن الكمأة، فما بال هذا الضَّرر فيها؟ ومن أين أتاها ذلك؟ فاعلم أنَّ الله سبحانه أتقن كلَّ شيءٍ صنَعه، وأحسن كلَّ شيءٍ خلَقه، فهو عند مبدأ خلقه بريءٌ من الآفات والعلل، تامُّ المنفعة لما هيِّئ وخُلِق١. وإنَّما تعرض له الآفات بعد ذلك بأمورٍ أخرى من مجاورةٍ أو امتزاجٍ واختلاطٍ أو أسبابٍ أُخَر تقتضي فساده. فلو تُرك على خلقته الأصليَّة من غير تعلُّق أسباب الفساد به لم يفسد.
ومن له معرفةٌ بأحوال العالم ومبدئه يعرف أنَّ جميع فساده٢ في جوِّه ونباته وحيوانه وأحوال أهله حادثٌ بعد خلقه، بأسبابٍ اقتضت حدوثه. ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرُّسل تُحدث لهم من الفساد العامِّ والخاصِّ ما يجلب عليهم من الآلام والأمراض والأسقام والطَّواعين، والقحوط والجدوب، وسَلْب بركات الأرض وثمارها ونباتها، وسَلْبِ منافعها، أو نقصانها= أمورًا متتابعةً يتلو بعضها بعضًا.
فإن لم يتَّسع علمك لهذا، فاكتفِ بقوله سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾[الروم: ٤١]٣، ونزِّل هذه الآية على أحوال
(١) في ل بعده زيادة: «له» وكذا في طبعة الفقي. وهذه الزيادة ليست بلازمة، فالعائد يجوز حذفه إن جُرَّ بحرفٍ وجُرَّ الموصول بمثله لفظًا ومعنًى، كقوله تعالى: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ أي مما تشربون منه.
(٢) هكذا في ن. وفي غيرها: «فساد»، وقد ضبط الدال في س بتنوين الكسرة. وكتب ناسخ ل «فساد العالم» ثم ضرب على لفظ «العالم»، وضبط الدال بتنوين الكسرة. وفي النسخ المطبوعة: «الفساد».