زاد المعاد

فإن قلت: فإذا كان هذا شأن الكمأة، فما بال هذا الضَّرر فيها؟ ومن أين أتاها ذلك؟ فاعلم أنَّ الله سبحانه أتقن كلَّ شيءٍ صنَعه، وأحسن كلَّ شيءٍ خلَقه، فهو عند مبدأ خلقه بريءٌ من الآفات والعلل، تامُّ المنفعة لما هيِّئ وخُلِق١. وإنَّما تعرض له الآفات بعد ذلك بأمورٍ أخرى من مجاورةٍ أو امتزاجٍ واختلاطٍ أو أسبابٍ أُخَر تقتضي فساده. فلو تُرك على خلقته الأصليَّة من غير تعلُّق أسباب الفساد به لم يفسد.

ومن له معرفةٌ بأحوال العالم ومبدئه يعرف أنَّ جميع فساده٢ في جوِّه ونباته وحيوانه وأحوال أهله حادثٌ بعد خلقه، بأسبابٍ اقتضت حدوثه. ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرُّسل تُحدث لهم من الفساد العامِّ والخاصِّ ما يجلب عليهم من الآلام والأمراض والأسقام والطَّواعين، والقحوط والجدوب، وسَلْب بركات الأرض وثمارها ونباتها، وسَلْبِ منافعها، أو نقصانها= أمورًا متتابعةً يتلو بعضها بعضًا.

فإن لم يتَّسع علمك لهذا، فاكتفِ بقوله سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]٣، ونزِّل هذه الآية على أحوال

  1. (١) في ل بعده زيادة: «له» وكذا في طبعة الفقي. وهذه الزيادة ليست بلازمة، فالعائد يجوز حذفه إن جُرَّ بحرفٍ وجُرَّ الموصول بمثله لفظًا ومعنًى، كقوله تعالى: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ أي مما تشربون منه.
  2. (٢) هكذا في ن. وفي غيرها: «فساد»، وقد ضبط الدال في س بتنوين الكسرة. وكتب ناسخ ل «فساد العالم» ثم ضرب على لفظ «العالم»، وضبط الدال بتنوين الكسرة. وفي النسخ المطبوعة: «الفساد».
  3. (٣) هنا انتهى الخرم في الأصل (ف).
536

العالم، وطابِق بين الواقع وبينها، وأنت ترى كيف تحدث الآفات والعلل كلَّ وقتٍ في الثِّمار والزَّرع والحيوان، وكيف تحدث من تلك الآفات آفاتٌ أخر متلازمةٌ، بعضُها آخذٌ برقاب بعضٍ. وكلَّما أحدث النَّاس ظلمًا وفجورًا أحدث لهم ربُّهم ﵎ من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم وأهويتهم ومياههم وأبدانهم وخلقهم وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم، من النَّقص والآفات ما هو موجَبُ أعمالهم وظلمهم وفجورهم.

ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكبر ممَّا هي اليوم كما كانت البركة فيها أعظم. وقد روى الإمام أحمد١ بإسناده: أنَّه وُجِد في خزائن بعض بني أميَّة صُرَّةٌ فيها حنطةٌ أمثال نوى التَّمر، مكتوبٌ عليها: هذا كان ينبت أيَّام العدل. وهذه القصَّة ذكرها في «مسنده» على إثر حديثٍ رواه٢.

وأكثر هذه الآفات والأمراض٣ العامَّة بقيَّةُ عذابٍ عذِّبت به الأمم السَّالفة ثمَّ بقيت منها بقيَّةٌ مُرْصَدةٌ لمن بقيت عليه بقيَّةٌ من أعمالهم حكمًا قسطًا وقضاءً عدلًا. وقد أشار النَّبيُّ ﷺ إلى هذا بقوله في الطَّاعون: «إنَّه بقيَّة

  1. (١) برقم (٧٩٤٩) بإسناده عن أبي قحذم قال: «وُجد في زمن زياد ــ أو: ابن زياد ــ صرَّةٌ فيها حبٌّ أمثالُ النَّوى، عليه مكتوبٌ: هذا نبَت في زمانٍ كان يُعمَل فيه بالعدل». وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٣١٢) والعباس الدوري في «تاريخه» عن ابن معين (٣٨٩٧) والدينوري في «المجالسة» (١/ ٣٩٤) بمثله. وأبو قحذم لا يعرف مَن هو. وانظر: تعليق محققي «المسند».
  2. (٢) نقلها المصنف في «الداء والدواء» (ص ١٦٠) أيضًا.
  3. (٣) ز، حط، ن: «الأمراض والآفات».
537

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي