زاد المعاد

رجزٍ أو عذابٍ أُرسل على بني إسرائيل»١.

وكذلك سلَّط الله سبحانه الرِّيحَ على قوم عاد سبع ليالٍ وثمانية أيَّامٍ، ثمَّ أبقى في العالم منها بقيَّةً في تلك الأيَّام أو في نظيرها عظة وعبرة.

وقد جعل الله سبحانه أعمال البرِّ والفجور مقتَضِياتٍ لآثارها في هذا العالم اقتضاءً لا بدَّ منه. فجعل منعَ الإحسان والزَّكاة والصَّدقة سببًا لمنع الغيث من السَّماء والقَحْط والجَدْب، وجعل ظلمَ المساكين والبخسَ في المكاييل والموازين وتعدِّي القويِّ على الضَّعيف سببًا لجور الملوك والولاة الذين لا يَرحمون إن استُرْحِموا، ولا يَعطِفون إن استُعْطِفوا. وهم في الحقيقة أعمال الرَّعايا ظهرت في صور ولاتهم. فإنَّ الله سبحانه بحكمته وعدله يُظهِر للنَّاس أعمالَهم في قوالب وصورٍ تناسبها: فتارةً بقحطٍ وجدبٍ، وتارةً بعدوٍّ، وتارةً بولاةٍ جائرين، وتارةً بأمراضٍ عامَّةٍ، وتارةً بهمومٍ وآلامٍ وغمومٍ تحضرها نفوسُهم لا ينفكُّون عنها، وتارةً بمنع بركات السَّماء والأرض عنهم، وتارةً بتسليط الشَّياطين عليهم تؤزُّهم إلى أسباب العذاب أزًّا، لتحقَّ عليهم الكلمة، وليصير كلٌّ منهم إلى ما خُلِق له.

والعاقلُ يسيِّر بصيرته بين أقطار العالم، فيشاهده، وينظر مواقع عدل الله وحكمته. وحينئذٍ يتبيَّن له أنَّ الرُّسل وأتباعهم خاصَّةً على سبيل النَّجاة، وسائرُ الخلق على سبيل الهلاك سائرون، وإلى دار البوار صائرون. والله بالغٌ أمره، لا معقِّب له، ولا رادَّ لأمره. وباللَّه التَّوفيق.

  1. (١) أخرجه بهذا اللَّفظ التِّرمذيُّ (١٠٦٥)، وابن حبَّان (٢٩٥٤)، من حديث أسامة بن زيد - ﵄ -، وقال التِّرمذي: «حديث حسن صحيح». وهو في الصَّحيحين، وقد تقدَّم تخريجه.
538

فصل١

وقوله ﷺ في الكمأة: «وماؤها شفاءٌ للعين» فيه ثلاثة أقوالٍ:

أحدها: أنَّ ماءها يُخْلَط في الأدوية الَّتي يعالَج بها العين، لا أنَّه يستعمل وحده. ذكره أبو عبيدٍ٢.

الثَّاني: أنَّه يُستعمَل بحتًا بعد شيِّها واستقطار مائها، لأنَّ النَّار تلطِّفه وتُنْضِجه، وتذيب فضلاته ورطوبته المُرْدِية٣، ويبقى النَّافعُ٤.

الثَّالث: أنَّ المراد بمائها الماءُ الذي يحدث به من المطر، وهو أوَّل قطرٍ ينزل إلى الأرض، فتكون الإضافة إضافة اقترانٍ، لا إضافة جزءٍ. ذكره ابن الجوزيِّ٥، وهو أبعد الوجوه وأضعفها.

وقيل: إن استعمل ماؤها لتبريد ما في العين، فماؤها مجرَّدًا شفاء. وإن

  1. (١) لفظ «فصل» ساقط من طبعة الفقي وكذا من طبعة الرسالة.
  2. (٢) في «غريب الحديث» (١/ ٣٨٨).
  3. (٣) ن: «المؤذية».
  4. (٤) أعجم حرف المضارعة في «يبقى» في ز، حط فقط. وضبط «النافع» في ل بضم العين. وفي النسخ المطبوعة: «وتبقى المنافع». ونقل ابن الجوزي هذا القول في «كشف المشكل» (١/ ١٥٩) عن إبراهيم الحربي. قال إبراهيم: وقال لي صالح وعبد الله ابنا أحمد بن حنبل: إنهما اشتكت أعينهما، فأخذا كمأة، فدقَّاها وعصراها، فاكتحلا بمائها، فهاجت أعينهما ورمدت.
  5. (٥) نقله في «كشف المشكل» (١/ ٢٥٩) عن شيخه أبي بكر بن عبد الباقي. وانظر: «لقط المنافع» لابن الجوزي (١/ ٣٧٤). والمصنف صادر عن كتاب الحموي (ص ١٣٥).
539

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي