ولحم الذِّراع أخفُّ اللَّحم، وألذُّه وألطفه، وأبعده من الأذى، وأسرعه انهضامًا. وفي «الصَّحيحين»١ أنَّه كان يعجب النبي ﷺ.
ولحم الظَّهر٢ كثير الغذاء، يولِّد دمًا محمودًا. وفي «سنن ابن ماجه»٣ مرفوعًا: «أطيب اللَّحم لحم الظَّهر».
فصل
في لحم المعز٤: قليل الحرارة، يابس. وخِلْطُه المتولِّد منه ليس بفاضلٍ، وليس بجيِّد الهضم ولا محمود الغذاء. ولحم التَّيس رديٌّ مطلقًا، شديد اليُبس، عسر الانهضام، مولِّد للخْلِط السَّوداويِّ.
قال الجاحظ٥: قال لي فاضلٌ من الأطبَّاء: يا أبا عثمان! إيَّاك ولحمَ
(١) البخاري (٣٣٤٠) ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) ما عدا ن: «الطير» هنا وفي الحديث الآتي، وهو تحريف.
(٣) برقم (٣٣٠٨) من حديث عبد الله بن جعفر ﵁. وأخرجه أيضًا التِّرمذي في «الشَّمائل» (١٧٢)، والنَّسائي في «الكبرى» (٦٦٢٣)، وأحمد (١٧٤٤، ١٧٥٦، ١٧٥٩). وصحَّحه الحاكم (٤/ ١١١)، لكن في إسناده راوٍ مجهول، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٢٨١٣). وفي الباب عن ابن عمر ﵄.
(٤) كتاب الحموي (ص ٤٦٣ - ٤٦٤) ما عدا الفقرة الأخيرة.
(٥) في كتاب «الحيوان» (٥/ ٤٦١)، وفيه: «قال لي شمؤون الطبيب»، فسمَّى الطبيب. ولكن المصنِّف صادر عن كتاب الحموي، انظر مخطوطه (١٤٤/ب) وفيه: «قال أبو عثمان البصري: قال لي فاضل من الأطباء». أما المطبوع منه (ص ٤٦٤) ففيه: «قال عثمان البقري»!
المعز، فإنَّه يورث الغمَّ، ويحرِّك السَّوداء، ويورث النِّسيان، ويفسد الدَّم. وهو ــ والله ــ يخبِّل الأولاد.
وقال بعض الأطبَّاء١: إنَّما المذموم المسنُّ منه ولا سيَّما للمسنِّين. ولا رداءة فيه لمن اعتاده. وجالينوس جعل الحوليَّ منه من الأغذية المعتدلة المعدِّلة للكَيْموس المحمود. وإناثه أنفع من ذكوره.
وقد روى النَّسائيُّ في «سننه»٢ عن النَّبيِّ ﷺ: «أحسنوا إلى الماعز وأميطوا عنها الأذى، فإنَّها من دوابِّ أهل الجنَّة». وفي ثبوت هذا الحديث نظرٌ.
وحكمُ الأطبَّاء عليه بالمضرَّة حكمٌ جزئيٌّ، ليس بكلِّيٍّ عامٍّ. وهو بحسب المعدة الضَّعيفة والأمزجة الضَّعيفة الَّتي لم تعتده، واعتادت المأكولات اللَّطيفة، وهؤلاء أهل الرَّفاهية من أهل المدن، وهم القليلون من النَّاس.
لحم الجدي٣: قريبٌ إلى الاعتدال، خاصَّةً ما دام رضيعًا ولم يكن
(١) هو ابن طرخان الحموي الذي اعتمد المصنِّف على كتابه في هذا المجلَّد.
(٢) كذا عزاه الحموي إلى النَّسائي، ولم أقِف عليه عنده، ولا عند غيره من أصحاب السُّنن، ولا ذكره المزِّيُّ في «التُّحفة». وإنَّما أخرجه البزَّار (٧٨٢٩)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٩/ ١٤٥)، من حديث أبي هريرة ﵁. قال البزَّار: «لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلَّا سعيد بن محمَّد، ولم يتابع على هذا الحديث»، وقال الهيثميُّ في «المجمع» (٤/ ٦٦): «لعلَّه الورَّاق، فإن كان هو الورَّاق فهو ضعيف». والرَّاوي عنه سلم بن إبراهيم الورَّاق ضعيف، واتَّهمه ابن معين، وضعَّف إسناده السَّخاويُّ في «الأجوبة المرضيَّة» (١/ ٢٥٨).