الثَّالث: أن تبلَّ قطنتان متساويتا الوزن بماءين مختلفين، ثمَّ يجفَّفان تجفيفًا بالغًا، ثمَّ توزنان، فأيهما كانت أخفَّ فماؤها كذلك.
والماء وإن كان في الأصل باردًا رطبًا، فإنَّ قوَّته تنتقل وتتغيَّر لأسبابٍ عارضةٍ توجب انتقالها، فإنَّ الماء المكشوف للشَّمال، المستور عن الجهات الأُخَر يكون باردًا، وفيه يبسٌ مكتسبٌ من ريح الشَّمال. وكذلك الحكم على سائر الجهات الأخَر. والماء الذي ينبع من المعادن يكون على طبيعة ذلك المعدن، ويؤثِّر في البدن تأثيرَه.
والماء العذب نافع للمرضى والأصحَّاء. والبارد منه أنفع وألذُّ. ولا ينبغي شربه على الرِّيق، ولا عقيب الجماع، ولا الانتباه من النَّوم، ولا عقيب الحمَّام، ولا عقيب أكل الفاكهة. وقد تقدَّم.
وأمَّا على الطَّعام، فلا بأس به إذا اضطرَّ إليه، بل يتعيَّن. ولا يُكثِرْ منه، بل يتمصَّصه مصًّا، فإنَّه لا يضرُّه البتَّة. بل يقوِّي المعدة، وينهض الشَّهوة، ويزيل العطش.
والماء الفاتر ينفخ، ويفعل ضدَّ ما ذكرناه. وبائته أجود من طريِّه، وقد تقدَّم. والبارد ينفع من داخلٍ أكثر من نفعه من خارجٍ، والحارُّ بالعكس. وينفع البارد من عفونة الدَّم وصعود الأبخرة إلى الرَّأس، ويدفع العفونات، ويوافق الأمزجة والأسنان والأزمان والأماكن الحارَّة. ويضرُّ كلَّ حالةٍ١ تحتاج إلى نضجٍ وتحليلٍ، كالزُّكام والأورام. والشَّديد البرودة منه يؤذي
(١) د: «على كل حالة»، وهنا تبعت طبعة الرسالة أصلها. وفي النسخ الأخرى وكتاب الحموي ما أثبت.
الأسنان. والإدمانُ عليه يُحدث انفجار الدَّم، والنَّزلات، وأوجاع الصَّدر.
والباردُ والحارُّ بإفراطٍ ضارَّين١ للعصب ولأكثر الأعضاء، لأنَّ أحدهما محلِّلٌ والآخر مكثِّفٌ. والماء الحارُّ يسكِّن لذع الأخلاط [و]٢ الحدَّة والوجع٣، ويحلِّل ويُنضج، ويخرج الفضول، ويرطِّب، ويسخِّن. ويفسد الهضمَ شربُه، ويطفو بالطَّعام إلى أعالي المعدة ويُرخيها، ولا يسرع في تسكين العطش، ويُذبل البدن، ويؤدِّي إلى أمراضٍ رديَّة. ويضرُّ في أكثر الأمراض، على أنَّه صالحٌ للشُّيوخ وأصحاب الصَّرع والصُّداع البارد والرَّمد. وأنفعُ ما اسْتُعمِل من خارجٍ.
ولا يصحُّ في المسخَّن بالشَّمس حديثٌ ولا أثرٌ٤، ولا كرهه أحدٌ من قدماء الأطبَّاء، ولا عابوه.
(١) كذا في جميع النسخ الخطية ونسختي كتاب الحموي (ص ٤٨٩). وفي النسخ المطبوعة: «ضارَّان».
(٢) زيادة من كتاب الحموي. وفي ل: «أوجاع الأخلاط الحدة ولذعها»، وهو تغيير كامل للسياق. وفي غيرها: «الأخلاط الحدة»، وفي هامش ن أن في نسخة: «الأخلاط الحادة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) في الأصل (ف) وحده: «والوقع» وهو تحريف ما أثبت من كتاب الحموي. وعلى الكلمة في الأصل خطٌّ كأنه خط الضرب، وقد يكون من آثار الأرضة التي عاثت في أطراف النسخة فسادًا.
(٤) روي ذلك عن عائشة وأنس وابن عباس مرفوعًا، وعن عمر موقوفًا عليه، وكلها واهية لاسيما الروايات المرفوعة. انظر: «سنن الدارقطني» (٨٦ - ٨٨) و«سنن الكبرى» للبيهقي (١/ ٦) و«تنقيح التحقيق» (١/ ٦٤) و«البدر المنير» (١/ ٤٢١) و«إرواء الغليل» (١/ ٥٠).