ومنعٌ من عفونتها وفسادها، ونفعٌ من الجرب المتقرِّح.
وإذا اكتُحِل به قلع اللَّحم الزَّائد من العين، ومحَقَ الظَّفرَة١. والأندَرانيُّ٢ أبلغ في ذلك. ويمنع القروح الخبيثة من الانتشار، ويُحْدِر البراز. وإذا دُلِك به بطون أصحاب الاستسقاء نَفعهم. وينقِّي الأسنان، ويدفع عنها العفونة، ويشدُّ اللِّثة ويقوِّيها.
ومنافعه كثيرةٌ٣.
حرف النُّون
نخل: مذكورٌ في القرآن في غير موضعٍ. وفي «الصَّحيحين»٤: عن ابن عمر قال: بينما نحن عند النبي ﷺ، إذ أتي بجُمَّار نخلةٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ من الشَّجر شجرةً مثلُها مثلُ الرَّجل المسلم، لا يسقط ورقها. أخبروني ما هي؟». فوقع النَّاس في شجر البوادي، فوقع في نفسي أنَّها النَّخلة، فأردت أن أقول: هي النَّخلة. ثمَّ نظرت، فإذا أنا أصغر القوم سنًّا، فسكتُّ. فقال رسول الله ﷺ: «هي النَّخلة». فذكرتُ ذلك لعمر، فقال: لأن تكون قلتَها أحبُّ إليَّ من كذا وكذا.
ففي هذا الحديث: إلقاء العالم المسائل على أصحابه، وتمرينهم،
(١) من أمراض العين، وقد تقدمت (ص ٤٦٢).
(٢) نوع من الملح شديد البياض، والفصيح عند اللغويين: الذَّرَآني، بتحريك الراء وتسكينها.
(٣) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها زيادة: «جدًّا».
(٤) البخاري (٦١) ومسلم (٢٨١١).
واختبار ما عندهم. وفيه: ضربُ الأمثال والتَّشبيه. وفيه: ما كان عليه الصَّحابة من الحياء من أكابرهم، وإجلالهم، وإمساكهم عن الكلام بين أيديهم. وفيه: فرحُ الرَّجل بإصابة ولده، وتوفيقه للصَّواب. وفيه: أنَّه لا يكره للولد أن يجيب بما يعرف بحضرة أبيه، وإن لم يعرفه الأب، وليس في ذلك إساءة أدبٍ عليه. وفيه: ما تضمَّنه تشبيهُ المسلم بالنَّخلة، وكثرةُ١ خيرها، ودوامُ ظلِّها وطيبُ ثمرها ووجودُه على الدَّوام.
وثمرها يؤكل رطبًا ويابسًا، وبلحًا ويانعًا. وهو غذاءٌ ودواءٌ، وقوتٌ وحلوى، وشرابٌ وفاكهةٌ. وجذوعها للبناء والآلات والأواني. ويتَّخذ من ورقها٢ الحُصُر والمكاتل والأواني والمراوح وغير ذلك، ومن ليفها الحبال والحشايا وغيرها. ثمَّ آخر شيءٍ نواها علَفٌ للإبل، ويدخل في الأدوية والأكحال. ثمَّ جمال ثيابها٣، وحسن هيئتها، وبهجة منظرها، وحسن نضد ثمرتها٤ وصنعته وبهجته ومسرَّة النُّفوس عند رؤيته. فرؤيتها مذكِّرةٌ بفاطرها وخالقها، وبديع صُنعه، وكمال قدرته، وتمام حكمته. ولا شيء أشبه بها من الرَّجل المؤمن، إذ هو خيرٌ كلُّه ونفعٌ ظاهرٌ وباطنٌ.
(١) غُيِّر في طبعة الرسالة إلى «من كثرة». وسياق الحموي (ص ٤٩٩): «وشبَّه النخلة بالمسلم في كثرة ...».
(٢) ن: «خوصها»، وكذا في هامش ز، والنسخ المطبوعة.
(٣) كذا في الأصل (ف) ود. وقد ذكر في «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٦٥٦) و«تهذيب السنن» (٣/ ٣٧٦): «لباسها وزينتها»، فلعله قصد هذا المعنى. وفي غيرهما: «نباتها». وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «ثمرتها ونباتها».