زاد المعاد

ولمَّا احتُضِر الحارث اجتمع إليه النَّاس، فقالوا: مُرْنا بأمرٍ ننتهي إليه من بعدك١، فقال: لا تتزوَّجوا من النِّساء إلا شابَّةً. ولا تأكلوا الفاكهة إلا في أوان نضجها. ولا يتعالجنَّ أحدكم ما احتمل بدنُه الدَّاء. وعليكم بتنظيف المعدة٢ في كلِّ شهرٍ، فإنَّها مذيبةٌ للبلغم، مهلكةٌ للمِرَّة، منبتةٌ للَّحم. وإذا تغدَّى أحدكم، فلينم على إثر طعامه٣ ساعةً، وإذا تعشَّى فليمش أربعين خطوةً.

وقال بعض الملوك لطبيبه٤: لعلَّك لا تبقى لي، فصِفْ لي صفةً آخذها عنك. فقال: لا تنكح إلا شابَّةً، ولا تأكل من اللَّحم إلا فتيًّا، ولا تشرب الدَّواء إلا من علَّةٍ، ولا تأكل الفاكهة إلا في نضجها، وأَجِدْ مضغ الطَّعام. وإذا أكلت نهارًا فلا بأس أن تنام، وإذا أكلت ليلًا فلا تنم حتَّى تمشي ولو خمسين خطوةً. ولا تأكلنَّ حتَّى تجوع، ولا تتكارهنَّ على الجماع، ولا تحبس البول،

  1. (١) «من بعدك» ساقط من د.
  2. (٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وفي «لقط المنافع» (٢/ ٤٢٢): «وعليكم بالنُّورة»، وكذا في «عيون الأنباء» (٢/ ١٨) و«محاضرات الأدباء» (١/ ٥٠٥). ولعل المؤلف استشكل أن تكون النورة سببًا لإذابة البلغم وغيرها فغيَّرها إلى ما ترى.
  3. (٣) ز، حط، د، ن: «غدائه»، وكذا كتب في هامش الأصل وفوقه: «ص». ومثله في «لقط المنافع» وغيره.
  4. (٤) في «لقط المنافع» (٢/ ٤٢٢): «قال الحجَّاج لطبيب له»، وآخر وصيته: «... خمسين خطوة». ثم فيه: «وقال تياذوق للحجَّاج»، وآخر قوله: «... يأخذ منك». ثم قال ابن الجوزي: «وأوصى تياذوق عبد الملك بن مروان، فقال: لا تأكلن» إلى آخره. فجمع المصنف الوصايا الثلاث في سياق واحد. وتَياذُوق هذا كان طبيبًا مختصًّا بخدمة الحجاج. انظر: «عيون الأنباء» (٢/ ٣٢ - ٣٥).
607

وخذ من الحمَّام قبل أن يأخذ منك. ولا تأكلنَّ طعامًا وفي معدتك طعامٌ، وإيَّاك أن تأكل ما تعجز أسنانك عن مضغه، فتعجز معدتك عن هضمه. وعليك في كلِّ أسبوعٍ بقيئك١ ينقِّي جسمك. ونعم الكنز الدَّم في جسدك فلا تخرجه إلا عند الحاجة إليه. وعليك بدخول الحمَّام، فإنَّه يخرج من الأطباق ما لا تصل الأدوية إلى إخراجه.

وقال الشَّافعيُّ٢:

أربعةٌ تقوِّي البدن: أكل اللَّحم، وشمُّ الطِّيب، وكثرة الغسل من غير جماعٍ، ولبس الكتَّان.

وأربعةٌ توهن البدن: كثرة الجماع، وكثرة الهمِّ، وكثرة شرب الماء على الرِّيق، وكثرة أكل الحامض.

وأربعةٌ تقوِّي البصر: الجلوس حيال الكعبة، والكحل عند النَّوم، والنَّظر إلى الخضرة، وتنظيف المجلس.

وأربعةٌ توهن البصر: النَّظر إلى القذر، وإلى المصلوب، وإلى فرج المرأة، والقعود مستدبر القبلة.

وأربعةٌ تزيد في الجماع: أكل العصافير، والإطْرِيفَل٣، والفستق،

  1. (١) ن: «بقيئةٍ تنقِّي»، وكذا في «لقط المنافع» والنسخ المطبوعة.
  2. (٢) في «لقط المنافع» (٢/ ٤٢٣): «روى ابن خزيمة عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول».
  3. (٣) في «لقط المنافع»: «الإطريفل الكبير»، وهو المقصود، فإن الصغير له منافع أخرى. وانظر طريقة صنعه فيه (٢/ ٣٩٨). ومعنى الإطريفل في الهندية: الثمار الثلاث، وهي الإهْليلَج والبَليلَج والأَمْلَج، وهي الأجزاء الرئيسة في هذا الدواء المركَّب. انظر: «مفاتيح العلوم» (ص ١٧٦) و«المعرَّبات الرشيدية» (ص ١٨٩) و«القول الأصيل» (ص ٢٥).
608

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي