ومنها: ــ وهو الذي أشكل على كثيرٍ من النَّاس ــ إعطاؤه الدِّية من إبل الصَّدقة، وقد ظنَّ بعضُ النَّاس أنَّ ذلك من سهم الغارمين، وهذا لا يصحُّ، فإنَّ غارم أهل الذِّمَّة لا يعطى من الزَّكاة. وظنَّ بعضهم أنَّ ذلك ممَّا فَضُل من الصَّدقة عن أهلها، فللإمام أن يصرفه في المصالح، وهذا أقرب من الأوَّل. وأقرب منه: أنَّه ﷺ وَداه من عنده، واقترض الدِّية من إبل الصَّدقة، ويدلُّ عليه: «فوداه من عنده».
وأقربُ من هذا كلِّه أن يقال: لمَّا تحمَّلها النَّبيُّ ﷺ لإصلاح ذات البين بين الطَّائفتين، كان حكمها حكم القضاء عن١ الغارم لِمَا غرمه لإصلاح ذات البين، ولعلَّ هذا مراد مَن قال: إنَّه قضاها من سهم الغارمين، وهو ﷺ لم يأخذ منها لنفسه شيئًا، فإنَّ الصَّدقة لا تحلُّ له، ولكن جرى إعطاء الدِّية منها مجرى إعطائها من الغُرْم٢ لإصلاح ذات البين. والله أعلم.
فإن قيل: فكيف تصنعون بقوله: «فجعل عَقْلَه على اليهود»٣؟ فيقال: هذا مجملٌ لم يَحْفظ راويه كيفيَّة جَعْله عليهم، فإنَّه ﷺ لمَّا كتب إليهم أن يَدُوا القتيلَ أو يُؤْذِنوا٤ بحربٍ، كان هذا كالإلزام لهم بالدِّية، ولكنَّ الذي حفظ٥ أنَّهم أنكروا أن يكونوا قتلوا، وحلفوا على ذلك، وأنَّ رسول الله ﷺ
(١) ط الفقي والرسالة: «على».
(٢) كذا في عامة النسخ وط الهندية، وفي ز: «مجرى الغرم ...»، وفي ط الفقي والرسالة: «مجرى إعطاء الغارم منها ...».
(٣) سبق تخريجه (ص ١٥ - ١٦)، وأنه رُوي بأسانيد ضعيفة.
(٤) س، ث، والمطبوع: «يأذنوا».
(٥) د: «حفظ عنهم»، والمطبوع: «حفظوا».
وداه من عنده، حفظوا١ زيادةً على ذلك، فهم أولى بالتَّقديم.
فإن قيل: فكيف تصنعون برواية النَّسائيِّ: «أنَّه قسَّمها على اليهود، وأعانهم ببعضها»٢؟
قيل: هذا ليس بمحفوظٍ قطعًا، فإنَّ الدِّية لا تلزم المدَّعى عليهم بمجرَّد دعوى أولياء القتيل، بل لا بدَّ من إقرارٍ، أو بيِّنةٍ، أو أيمان المدَّعين، ولم يوجد هنا شيءٌ من ذلك، وقد عرض النَّبيُّ ﷺ أيمان القَسامة على المدَّعين، فأبوا أن يحلفوا، فكيف يُلزِم اليهودَ بالدِّية بمجرَّد الدَّعوى؟!
فصل
في حُكمه ﷺ في أربعة سقطوا في بئر فتعلّق بعضُهم ببعض فهَلَكوا٣
(٤) رواه أحمد في «مسنده» (٥٧٣، ٥٧٤)، والبزار في «مسنده» (٧٣٢)، والبيهقي في «الكبرى»: (٨/ ١١١)، من طرق عن سماك بن حرب عن حنشٍ عن علي. وإسناده ضعيف؛ لضعف حنش بن المعتمر؛ ضعَّفه النسائي، وأبو حاتم، وابن حبان، وقال البخاري: يتكلمون في حديثه. مع ذلك ففي حديثه عن عليّ وحديثِ سماكٍ عنه مقال. انظر «الميزان»: (١/ ٦١٩)، «التقريب» (ص ٢٤٩). قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا عن علي عن النبي ﷺ، ولا نعلم له طريقًا عن علي إلا عن هذا الطريق».