زاد المعاد

فأُراه قال: كما أنَّ عليهم الدِّية هكذا يفرَّق فيهم، يعني: إذا ظُلم قومٌ منهم١ ولم يُعرفوا، فهذا عمر بن الخطَّاب قد قضى بموجَب هذا الحديث، وجَعَل الدِّية على أهل المكان الذي وُجد فيه القتيل، واحتجَّ به أحمد، وجَعَل هذا أصلًا في تفريق المال الذي ظُلم فيه أهلُ ذلك المكان عليهم إذا لم يُعرفوا بأعيانهم.

وأمَّا الأثر الآخر، فمرسلٌ لا تقوم بمثله حجَّةٌ، ولو صحَّ تعيَّن القول بمثله٢، ولم تجُز مخالفته، ولا يخالف باب الدَّعاوى ولا باب القَسامة، فإنَّه ليس فيهم لَوْثٌ ظاهرٌ يوجب تقديم المدَّعين٣، فيقدَّم٤ المدَّعى عليهم في اليمين، فإذا نكلوا قويَ جانبُ المدَّعِين من وجهين، أحدهما: وجود القتيل بين ظهرانيهم. والثَّاني: نكولهم عن براءة ساحتهم باليمين، وهذا يقوم مقام اللَّوْث الظَّاهر، فيحلف المدَّعون ويستحقُّون، فإذا نكل الفريقان كلاهما، أورث ذلك شبهةً مركَّبةً من نكول كلِّ واحدٍ منهما، فلم ينهض ذلك سببًا لإيجاب كمال الدِّية عليهم إذا لم يحلف غُرماؤهم، ولا

  1. (١) ب: «بينهم».
  2. (٢) س، د، ب، ث: «به».
  3. (٣) د، ب: «المدعيين».
  4. (٤) د، وط الهندية: «فتقدم».
27

إسقاطها عنهم بالكلِّيَّة حيث لم يحلفوا، فجُعلت الدِّية نصفين، ووجب نصفها على المدَّعى عليهم لثبوت الشُّبهة في حقِّهم بترك اليمين، ولم يجب عليهم كمالها١، لأنَّ خصومهم لم يحلفوا، فلمَّا كان اللَّوْث متركِّبًا٢ من يمين المدَّعين، ونكول المدَّعى عليهم، ولم يتمَّ، سَقَط ما يقابل أَيمانَ المدَّعين وهو النِّصف، ووجب ما يقابل نكول المدَّعى عليهم وهو النِّصف. وهذا من أحسن الأحكام وأعدلها، وباللَّه التَّوفيق.

فصل

في قضائه ﷺ بتأخير القصاص من الجرح حتى يندمل

ذكر عبد الرزاق في «مصنَّفه» وغيره٣ من حديث ابن جُريجٍ، عن عَمرو بن شعيبٍ٤ قال: قضى رسول الله ﷺ في رجلٍ طعنَ آخرَ بقرنٍ في

  1. (١) في المطبوع: «تجب عليهم بكمالها».
  2. (٢) ز: «مركبا».
  3. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٧٩٨٨) و(١٧٩٩١) عن أيوب وابن جريج عن عمرو بن شعيب عن النبي ﷺ معضلًا، وأخرجه أحمد في «المسند» (١١٣٤١) عن ابن إسحاق، والدارقطنيُّ في «سننه» (٣١١٤)، وعنه البيهقي في «الكبرى»: (١٦١١٥) عن ابن جريج كلاهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مسنَدًا، وقد عنعنه ابن إسحاق وابن جريج، وهما مدلسان، لكن تابعهما المثنى بن الصباح، وهو ضعيف، ورجح الدارقطني وأبو زرعة إرساله، ومال إليه الحازمي والزيلعي. ينظر: «سنن الدارقطني»: (٤/ ٧٢)، و«العلل»: (١/ ٤٦٣)، و«الاعتبار» (ص ١٩٢)، و«نصب الراية»: (٤/ ٣٧٧). وله شاهدٌ مرفوعٌ سيأتي من حديث جابر ﵁.
  4. (٤) ز: «من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده». وفي ط الهندية: «من حديث عمرو بن شعيب ﵁».
28

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي