وقال مالك: يُقتصُّ منه حقُّ١ الآدميِّ، ويعاقب لجرأته، والجمهور يقولون: القصاص يغني عن العقوبة الزَّائدة، فهو كالحدِّ إذا أقيم على المحدود، لم يحتج معه إلى عقوبةٍ أخرى٢.
والمعاصي ثلاثة أنواعٍ: نوعٌ عليه حدٌّ مقدَّرٌ، فلا يُجمع بينه وبين التّعزير. ونوعٌ لا حدَّ فيه ولا كفَّارة، فهذا يردع فيه بالتَّعزير، ونوعٌ فيه كفَّارةٌ ولا حدَّ فيه، كالوطء في الإحرام والصِّيام، فهل يُجمع فيه بين الكفَّارة والتَّعزير؟ على قولين للعلماء، وهما وجهان لأصحاب أحمد٣، والقصاص يجري مجرى الحدِّ، فلا يجمع بينه وبين التَّعزير.
فصل
في قضائه ﷺ بالقصاص في كسر السِّنّ
في «الصَّحيحين»٤ من حديث أنس: أنَّ ابنة النَّضْر أخت الرُّبَيِّع لطمت جاريةً، فكسرت سنَّها، فاختصموا إلى النَّبيِّ ﷺ، فأمر بالقصاص، فقالت أم الرُّبَيِّع: يا رسول اللَّه! أيُقتصُّ من فلانة؟ لا والله لا يُقتصُّ
(٤) أخرجه البخاري (٢٧٠٣)، وفيه أن المُقسِمَ أنس بن النضر، لا أمَّ الربيع، ومسلم برقم (١٦٧٥)، واللفظ له.
منها، فقال النَّبيُّ ﷺ: «سبحان الله يا أم الربَيِّع كتاب الله القصاص»، قالت: لا والله لا يُقتصُّ منها أبدًا، فعفا القوم، وقبلوا الدِّية. فقال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ مِن عباد الله مَنْ لو أقسم على الله لأبرَّه».
فصل
في قضائه ﷺ فيمن عضّ يدَ رجلٍ فانتزع يدَه من فيه
فسقطت ثنيةُ العاضّ بإهدارها
ثبت في «الصَّحيحين»١: أنَّ رجلًا عضَّ يدَ رجلٍ، فنزع يده من فيه، فوقعت ثناياه، فاختصموا إلى النَّبيِّ ﷺ، فقال: «يَعَضُّ أحدُكم أخاه٢ كما يَعَضُّ الفحل؟! لا ديةَ لك».
وقد تضمَّنت هذه الحكومة أنَّ مَن خلَّص نفسَه من يد ظالمٍ له، فتَلِفَت نفسُ الظَّالم، أو شيءٌ من أطرافه أو ماله بذلك، فهو هدرٌ غير مضمونٍ.
فصل
في قضائه ﷺ فيمن اطلع في بيت رجل بغير إذنه فخَذَفه بحصاة
أو فقأ عينه فلا شيء عليه
ثبت في «الصَّحيحين»٣ من حديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لو أنَّ امرءًا اطَّلع عليك بغير إذنٍ، فخذفتَه بحصاةٍ، ففقأتَ عينَه، لم يكن عليك جُناحٌ».
(١) أخرجه البخاري (٦٨٩٢) ومسلم (١٦٧٣) من حديث عمران بن حصين ﵄، وقد سُمِّي المعضوضُ في حديث صفوان بن يعلى عند مسلم (١٦٧٤) وأنه أجيرٌ ليعلى بن مُنْية ﵁.