ولفظ ابن ماجه١: «قضى أنَّ عَقْلَ أهل الكتابين نصفُ عقل المسلمين، وهم اليهود والنَّصارى».
واختلف الفقهاء في ذلك، فقال مالك: ديتُهم نصف٢ دية المسلمين في٣ الخطأ والعمد٤، وقال الشَّافعيُّ: ثلثها في الخطأ والعمد٥. وقال أبو حنيفة: بل كدية المسلم في الخطأ والعمد٦. وقال الإمام أحمد: مثل دية المسلم في العمد. وعنه في الخطأ روايتان، إحداهما: نصف الدِّية، وهي ظاهر مذهبه. والثَّانية: ثلثها٧.
فأخذ مالكٌ بظاهر حديث عَمرو بن شعيبٍ، وأخذ الشَّافعيُّ بأنَّ عُمر جعل ديته أربعة آلافٍ، وهي ثلث دية المسلم، وأخذ أحمد بحديث عَمرو إلا
(١) حديث (٢٦٤٤) من طريق عبد الرحمن بن عياش، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وعبد الرحمن هو ابن الحارث بن عبد الله بن عياش؛ قال البوصيري في «مصباح الزجاجة»: (٢/ ٧٧): «هذا إسناد فيه مقال؛ عبد الرحمن بن عياش لم أر من ضعفه ولا من وثقه». قلت: بل تكلم فيه الأئمة، قال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: شيخ، ووثقه ابن حبان وابن سعد والعجلي، وضعّفه أحمد وابن المديني والنسائي، وقال الحافظ: صدوق له أوهام، وقد تابعه هنا سليمان بن موسى، وابن إسحاق، وأسامة بن زيد الليثي؛ وحسَّنه الترمذي.
(٧) ينظر «المغني»: (١٢/ ٥١ - ٥٢)، و«الإنصاف»: (١٠/ ٦٥). وذكروا أن رواية الثلث رجع عنها أحمد.
أنَّه في العمد ضَعَّف الدِّية عقوبةً لأجل سقوط القصاص، وهكذا عنده من سقط عنه القصاص أُضْعِفت عليه الدِّية عقوبةً، نصَّ عليه توقيفًا، وأخذ أبو حنيفة بما أصَّله١ من جَرَيان القصاص بينهما، فتتساوى ديتهما.
وقضى ﷺ أنَّ عَقْلَ المرأة مثلُ عقل الرَّجل إلى الثُّلث من ديتها. ذكَره النَّسائيُّ٢. فتصير على النِّصف مِن٣ ديته، وقضى بالدِّية على العاقلة، وبرَّأ منها الزَّوجَ وولدَ المرأة القاتلة٤.
وقضى في المُكاتَب إذا قُتل أنَّه يودَى بقدر ما أدَّى من كتابته ديةَ الحرِّ، وما بقي فدِية المملوك٥.
(١) المطبوعات: «بما هو أصله».
(٢) حديث (٤٨٠٧) من طريق إسماعيل بن عياش الشامي، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وإسناده ضعيف؛ لضعف إسماعيل إذا روى عن غير أهل بلده، كما قال أحمد وابن المديني والبخاري والنسائي وغيرهم. وهنا يروي عن ابن جريج، وهو مكي. ينظر «تهذيب التهذيب»: (١/ ٣٢٥)، و«التنقيح»: (٤/ ٥١٨)، و«البدر المنير»: (٨/ ٤٤٣).
(٣) «من ديتها ...» سقط من ب.
(٤) وذلك في قصة امرأتَيْ حَمَل بن مالك بن النابغة من حديث أبي هريرة ﵁ وغيره، قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمتْ إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ، فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى أن دية المرأة على عاقلتها». أخرجه البخاري (٦٩١٠) واللفظ له، ومسلم (١٦٨١).
(٥) أخرجه أبو داود (٤٥٨١)، والترمذي (١٢٥٩)، والنسائي (٤٨١٢) من طرق عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، قال الترمذي: «حديث حسن»، وقال الحاكم: (٢/ ٢١٩): «صحيح على شرط البخاري».