لم يعلم بإحصانه، فجُلِد، ثمَّ عَلِم بإحصانه فرُجِم». رواه أبو داود١.
وفيه: أنَّ الجهل بالعقوبة لا يُسقط الحدَّ إذا كان عالمًا بالتَّحريم، فإنَّ ماعزًا لم يعلم أنَّ عقوبته القتل، ولم يُسقط هذا الجهلُ الحدَّ عنه.
وفيه: أنَّه يجوز للحاكم أن يحكم بالإقرار في مجلسه، وإن لم يسمعه معه شاهدان، نصَّ عليه أحمد٢، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يقل لأنيس: فإن اعترفَتْ بحضرة شاهدين فارجمها.
وأنَّ الحكم إذا كان حقًّا محضًا لله لم يُشترط الدَّعوى به عند الحاكم.
وأنَّ الحدَّ إذا وجب على امرأةٍ، جاز للإمام أن يبعث إليها من يقيمه عليها، ولا يحضرها، وترجم النَّسائيُّ٣ على ذلك فقال: باب٤ صون النِّساء عن مجلس الحكم.
وأنَّ الإمام والحاكم والمفتي يجوز له الحلف على أنَّ هذا حكم الله إذا تحقَّق ذلك وتيقَّنه بلا ريبٍ.
(١) (٤٤٣٨، ٤٤٣٩) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁. وفيه عنعنة ابن جريج، وهو مدلّس. وقد اختلف في رفعه ووقفه؛ فرواه البُرساني وأبو عاصم عن ابن جريج موقوفًا على جابر، وتفرَّد برفعه ابنُ وهب عن ابن جريج، والصواب وقفُه، كما قال النسائي في «الكبرى» (٧١٧٣، ٧١٧٤).
(٢) في رواية حرب، ينظر: «الهداية» (ص ٥٧٠)، و«المغني»: (١١/ ٤٠٣)، و«الإنصاف»: (١١/ ٢٥٠).
وأنَّه يجوز التَّوكيل في إقامة الحدود، وفيه نظرٌ، فإنَّ هذا استنابةٌ من النَّبيِّ ﷺ.
وتضمَّن تغريب المرأة كما يغرَّب الرَّجل، لكن يُغرَّب معها محرمها إن أمكن، وإلَّا فلا، وقال مالك١: لا تغريب على النِّساء٢؛ لأنَّهنَّ عورةٌ.
فصل
في حكمه ﷺ على أهل الكتاب في الحدود بحكم الإسلام
ثبت في «الصَّحيحين» والمساند٣: أنَّ اليهود جاءوا إلى النبيّ ﷺ، فذكروا له أنَّ رجلًا منهم وامرأةً زنيا، فقال رسول الله ﷺ: «ما تجدون في التَّوراة في شأن الرَّجم؟» قالوا: نفضحهم ويُجْلَدون، فقال عبد الله بن سلامٍ: كذبتم إنَّ فيها الرَّجم، فأتوا بالتَّوراة فنشروها، فوضع أحدُهم يدَه على آية الرَّجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلامٍ: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرَّجم، فقالوا: صدق يا محمَّد، إنَّ فيها الرَّجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرُجِما.
فتضمَّنت هذه الحكومة: أنَّ الإسلام ليس بشرطٍ في الإحصان، وأنَّ الذِّمِّيَّ يحصِّن الذِّمِّيَّة، وإلى هذا ذهب أحمد والشَّافعيُّ٤، ومن لم يقل
(١) «المدونة»: (٤/ ٥٠٤).
(٢) ب: «لا تغرّب النساء».
(٣) أخرجه البخاري (١٣٢٩، ٣٦٣٥) واللفظ له، ومسلم (١٦٩٩)، ومالك في «الموطأ» (٢٣٧٤)، وأحمد في «المسند» (٤٤٩٨)، وأبو داود (٤٤٤٦، ٤٤٤٩)، والترمذي (١٤٣٦)، من حديث ابن عمر ﵄. ووقع في ز، ن: «المسانيد» وكلاهما صحيح.