وطائفةٌ أخرى قبلت الحديثَ، ثمَّ اختلفوا فيه، فقالت طائفةٌ١: هو منسوخٌ، وكان هذا قبل نزول الحدود.
وقالت طائفةٌ: بل وجهه أنَّه إذا استكرهها، فقد أفسدها على سيِّدتها، ولم تبق ممَّن تصلح لها، وألحق٢ بها العار، وهذا مُثْلةٌ معنويَّةٌ، فهي كالمثلة الحسِّيَّة أو أبلغ منها، وهو قد تضمَّن أمرين: إتلافها على سيِّدتها، والمُثْلة المعنويَّة بها، فيلزمه غرامتها لسيِّدتها، وتَعتِق عليه، وأمَّا إن طاوعته، فقد أفسدها على سيِّدتها، فيلزمه قيمتُها لها، ويملكها لأنَّ القيمة قد استحقَّت عليه، وبمطاوعتها وإرادتها خرجت عن شُبهة المُثْلة. قالوا: ولا بُعْد في تنزيل الإتلاف المعنويِّ منزلةَ الإتلاف الحسِّيِّ، إذ كلاهما يحول٣ بين المالك وبين الانتفاع بملكه، ولا ريبَ أنَّ جاريةَ الزَّوجة إذا صارت موطوءةً لزوجها، فإنَّها لا تبقى لسيِّدتها كما كانت قبل الوطء، فهذا الحكم من أحسن الأحكام، وهو موافقٌ لقياس الأصول٤.
وبالجملة: فالقول به مبنيٌّ على قبول الحديث، ولا تضرُّ كثرة المخالفين له، ولو كانوا أضعاف أضعافهم، وبالله التوفيق٥.
(١) ب: «فقال بعضهم». ونقله الخطابي عن الأشعث صاحب الحسن.
(٢) في المطبوع: «ولحق».
(٣) ب: «مما يحول».
(٤) في المطبوع: «للقياس الأصولي» خلاف النسخ.
(٥) «وبالله التوفيق» ليست في ب والمطبوع.
فصل
ولم يثبت عنه ﷺ أنَّه قضى في اللُّوطيّ١ بشيءٍ؛ لأنَّ هذا لم تكن تعرفه العرب، ولم يُرْفَع إليه ﷺ، ولكن ثبت عنه أنَّه قال: «اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به». رواه أهل السُّنن الأربعة٢، وإسناده صحيحٌ، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
وحكم به أبو بكرٍ الصِّدِّيق، وكتب به إلى خالد بعد مشورة٣ الصَّحابة، وكان عليٌّ أشدَّهم في ذلك٤.
(١) س، والمطبوع: «في اللواط».
(٢) رواه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٥٦١) ــ ولم أره في النسائي ــ من طريق ابن إسحاق عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس، ولم يذكر ابن إسحاق القتلَ في روايته عن عمرو، وعمرو ثقة ربما وهم، وقد استنكر حديثَه هذا ابنُ معين والبخاري والنسائي، نعم تابعه عباد بن منصور؛ لكنه مدلس وقد عنعنه، وعباد ليس بالقوي، وتابعه داود بن الحصين بسند ضعيف؛ فيه إبراهيم بن إسماعيل الأشهلي وهو ضعيف، وداود ثقة إلا في عكرمة. والحديث صحح إسناده المصنف هنا، ونقل عن الترمذي تحسينه له، وصححه الألباني في «الإرواء» (٢٣٤٨). وله شاهد من حديث أبي هريرة، وفي سنده عاصم وعبد الرحمن العمريان، وهما ضعيفان، ومن حديث عليّ وفي سنده مجهول، ومن حديث جابر وفي سنده عباد الثقفي وهو متروك. ينظر «نصب الراية»: (٣/ ٣٣٩ - ٣٤٣)، و«البدر المنير»: (٨/ ٦٠٢).
(٣) س والمطبوع: «مشاورة».
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذم االملاهي» (ص ١٠٠)، ومن طريقه البيهقي في «الشعب»: (٧/ ٢٨١)، وفي «الكبرى»: (٨/ ٢٣٢)، والخرائطي في «ذم اللواط» (ص ٥٨)، وفي «مساوئ الأخلاق» (ص ٢٠٥)، وابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص ٢٠٣)، من طريق ابن المنكدر وصفوان بن سليم وموسى بن عقبة أن خالد بن الوليد كتب إلى الصديق أنه وَجد رجلًا يُنكح كما تُنكح المرأة، فجمع أصحاب رسول الله ﷺ، فكان أشدَّهم قولًا عليُّ بن أبي طالب، قال: إن هذا ذنب لم تَعص به أمةٌ إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار، فاجتمعوا على ذلك، فكتب أبو بكر يأمره بذلك. وسنده ضعيف لإرساله، وبهذا أعلَّه البيهقي وابن حزم؛ فصفوان وابن المنكدر وموسى لم يدركوا هذه الحادثة، وزاد ابن حزم في «المحلى»: (١٢/ ٣٨٢ - ٣٨٤) إعلال متنهِ بمخالفته النهي عن الإحراق بالنار. قال ابن حجر في «الدراية»: (٢/ ١٠٣): «وهو ضعيف جدًّا، ولو صح لكان قاطعًا للحجة»، وجوَّد إسناده المنذري في «الترغيب والترهيب»: (٣/ ١٩٨).