وحكم ﷺ على من أقرَّ بالزِّنا بامرأةٍ معيَّنةٍ بحدِّ الزِّنا١ دون حدِّ القذف، ففي «السُّنن»٢ من حديث سهل بن سعدٍ: «أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ، فأقرَّ عنده أنَّه زنى بامرأةٍ سمَّاها، فبعث رسولُ الله ﷺ إلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت، فجلدَه الحدَّ وتركها».
فتضمَّنت هذه الحكومة أمرين:
أحدهما: وجوب الحدِّ على الرَّجل وإن كذَّبته المرأة، خلافًا لأبي حنيفة وأبي يوسف أنَّه لا يحدُّ٣.
والثَّاني: أنَّه لا يجب عليه حدُّ القذف للمرأة٤.
وأمَّا ما رواه أبو داود في «سننه»٥ من حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ رجلًا أتى
(١) ث، ن، ي، ب: «الزاني».
(٢) عند أبي داود (٤٤٦٦)، وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٥٩٢٤)، والبيهقي في «الكبرى»: (٨/ ٢٢٨) من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد، بسند صحيح. وقال الحاكم: (٤/ ٣٧٠): «هذا إسناد صحيح ولم يخرجاه».
(٣) ينظر «المبسوط»: (٩/ ٣٤٤).
(٤) بعده في س وهامش ز: «خلافًا»، خطأ، ولعله انتقال نظر إلى السطر قبله.
(٥) (٤٤٦٧)، وفيه القاسم بن فياض، ضعَّفه ابن معين، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٧/ ٣٣٤) ثم ذكره في «المجروحين» (٢/ ٢١٣)، وقال النسائي: ليس بالقوي، وجهله ابن المديني وابن حجر، ووثَّقه أبو داود. واستنكر النسائيُّ حديثه هذا في «الكبرى» (٧٣٠٨)، وسكت عنه أبو داود، وقال الحاكم في «المستدرك»: (٤/ ٣٧٠): «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».
النبيَّ ﷺ، فأقرَّ أنَّه زنى بامرأةٍ أربع مرَّاتٍ، فجلده مئةً١، وكان بكرًا، ثمَّ سأله البيِّنة على المرأة فقالت: كذب والله يا رسول اللَّه، فجُلِد حدَّ الفِرية ثمانين»، فقال النَّسائيُّ: هذا حديثٌ منكرٌ، انتهى. وفي إسناده القاسم بن فياض الأَبْناويّ٢ الصنعاني، تكلَّم فيه غير واحدٍ، وقال ابن حبَّان٣: بطل الاحتجاج به.
فصل
وحكم في الأَمَة إذا زنت ولم تُحْصَن بالجلد. وأمَّا قوله تعالى في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾[النساء: ٢٥]، فهو نصٌّ في أنَّ حدَّها بعد التَّزويج نصف حدِّ الحرَّة من الجلد، وأمَّا قبل التَّزويج فأمر بجلدها.
وفي هذا الجلد قولان:
أحدهما: أنَّه الحدُّ، ولكن يختلف الحال قبل التَّزويج وبعده، بأنَّ٤ للسَّيِّد إقامته قبله، وأمَّا بعدَه فلا يقيمه إلا الإمام.
والقول الثَّاني: أنَّ جلدها قبل الإحصان تعزيرٌ لا حدٌّ، ولا يُبْطِل هذا ما
(١) س والمطبوع: «مئة جلدة».
(٢) في جميع النسخ «الأبناري» عدا نسخة ن وط الهندية فهو كما أثبت، وهو الصواب، نسبةً إلى الأبناء، وهم كل مَن وُلد باليمن من أبناء الفرس. ينظر «الأنساب»: (١/ ١٠٠)، و«تقييد المهمل»: (١/ ٩٦)، و«تهذيب التهذيب»: (٨/ ٣٣٠)، و«التقريب» (٥٤٨٣).