رواه مسلم في «صحيحه»١: من حديث أبي هريرة يرفعه: «إذا زنت أمةُ أحدِكم، فليجلدها ولا يعيِّرها، ثلاثَ مرَّاتٍ، فإن عادت في الرَّابعة فليجلدها ولْيَبِعها ولو بضفيرٍ»، وفي لفظٍ٢: «فليضربها بكتاب اللَّه».
وفي «صحيحه»٣ أيضًا: من حديث عليٍّ أنَّه قال: أيُّها النَّاس أقيموا على أرقَّائكم الحدَّ، مَن أحْصَن منهنَّ ومَن لم يُحْصِن، فإنَّ أمَةً لرسول٤ الله ﷺ زنَتْ، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثةُ عهدٍ بنفاسٍ، فخشيتُ إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «أحسنتَ».
فإنَّ التَّعزير يدخل تحت٥ لفظ الحدِّ في لسان الشَّارع، كما في قوله ﷺ: «لا يُضْرَب فوقَ عشرةِ أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله»٦.
وقد ثبت التَّعزير بالزِّيادة على العشرة جنسًا وقدرًا في مواضع عديدةٍ لم
(١) الحديث بهذا اللفظ عند أبي داود (٤٤٧٠) من حديث أبي هريرة، وسنده صحيح. ولفظ مسلم (١٧٠٣): «إذا زنت أمةُ أحدِكم، فتبيَّن زناها، فليجلدْها الحدَّ، ولا يثرِّبْ عليها، ثم إن زنت، فليجلدها الحدّ، ولا يثرِّب عليها، ثم إن زنت الثالثة، فتبين زناها، فليبعها، ولو بحبل من شعر» وفي رواية له: «إذا زنت ثلاثًا، ثم ليبعها في الرابعة».
(٢) عند النسائي (٧٢٠٥)، والدارقطني (٣٣٣٤) بإسناد حسن، من طريق ابن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وقد صرَّح ابن إسحاق بالتحديث في رواية الدارقطني؛ فانتفت شبهة تدليسه، وتابعه الليث كما في «الصحيحين» وغيرهما.
(٣) مسلم (١٧٠٥).
(٤) كذا في ن، ط الرسالة، و«الصحيح». وفي باقي النسخ: «أمةَ رسولِ».
(٥) ث: «تحت عند»! ون وط الرسالة: «تحته»، وط الهندية: «يدخل فيه»، والمثبت من باقي النسخ.
(٦) أخرجه البخاري (٦٨٥٠) ومسلم (١٧٠٨) من حديث أبي بردة الأنصاري ﵁.
يثبت نسخُها، ولم تجمع الأمَّةُ على خلافها.
وعلى كلِّ حالٍ، فلا بدَّ أن يخالف حالُها بعد الإحصان حالَها قبله، وإلَّا لم يكن للتَّقييد فائدةٌ، فإمَّا أن يقال قبل الإحصان: لا حدَّ عليها، والسُّنَّة الصَّحيحة تُبطِل ذلك، وإمَّا أن يقال: حدُّها قبل الإحصان حدُّ الحرَّة، وبعده نصفَه، وهذا باطلٌ قطعًا مخالفٌ لقواعد الشَّرع وأصوله، وإمَّا أن يقال: حدُّها١ قبل الإحصان تعزيرٌ وبعدَه حدٌّ، وهذا قويّ٢، وإمَّا أن يقال: الافتراق بين الحالين في إقامة الحدِّ لا في قدره، وأنَّه في إحدى الحالتين للسَّيِّد، وفي الأخرى للإمام، وهذا أقرب ما يقال.
وقد يقال: إنَّ تنصيصه على التَّنصيف بعد الإحصان لئلَّا يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ بالإحصان يزول التَّنصيف، ويصير حدُّها حدَّ الحرَّة، كما أنَّ الجلد عن البكر زال بالإحصان٣، وانتقل إلى الرَّجم، فبقي على التَّنصيف في أكمل حالتيها، وهي الإحصان، تنبيهًا على أنَّه إذا اكْتُفي به فيها ففيما قبل الإحصان أولى وأحرى، والله أعلم.
وقضى رسولُ الله ﷺ في مريضٍ زنى ولم يَحْتَمِل إقامةَ الحدِّ، بأن يؤخذ له مئة٤ شمراخٍ، فيُضْرَب بها ضربةً واحدةً٥.
(١) ث، س، ن، وط الرسالة: «جلدها».
(٢) ث، ي، ط الهندية: «أقوى».
(٣) في ط الهندية: «يُزال بالإحصان»، وفي ط الرسالة وحدها: «أن الجلد زال عن البكر للإحصان».
(٤) ط الرسالة: «عثكال فيه مئة ...» ولا وجود لها في النسخ، وهذه اللفظة جاءت في بعض ألفاظ الحديث عند أحمد وابن ماجه وغيرهم. وفي ب: «شمراخ مئة».
(٥) أخرجه أبو داود (٤٤٧٢) بإسناد صحيح من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ، وأخرجه ابن ماجه (٢٥٧٤) من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن سعيد بن سعد بن عبادة، وضعَّف البوصيري: (٢/ ٦٧) إسناده؛ لعنعنة ابن إسحاق. وقد اختلف على أبي أمامة في رفعه وإرساله، والمرسل أصح، كما قال الدارقطني والبيهقي، ولا يضرُّه ذلك؛ فأبو أمامة صحابي صغير، ومرسل الصحابي حجة، ورجح الألباني وصله. ينظر: «الصحيحة» (٢٩٨٦). وفي الباب أيضًا حديث أبي سعيد الخدري، وسهل بن حنيف، وسهل بن سعد، بأسانيد لا تخلو من مقال. ينظر «البدر المنير»: (٨/ ٦٢٧)، و«التلخيص الحبير»: (٤/ ١٦٥).