وحديث قَبيصة فيه دلالةٌ على أنَّ القتل ليس بحدٍّ، أو أنَّه منسوخٌ، فإنَّه قال فيه: «فأُتيَ رسولُ الله ﷺ برجلٍ قد شرب، فجلده، ثمَّ أُتي به، فجلده، ثمَّ أتي به فجلده، ورُفِع القتل، وكانت رخصةً». رواه أبو داود٣.
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المتَّفق عليه، عن عليّ أنَّه قال: «ما كنتُ لأَدِيَ مَن أقمتُ عليه الحدَّ إلا شاربَ الخمر، فإنَّ رسول الله ﷺ لم يسُنَّ فيه شيئًا، إنَّما هو شيءٌ قلناه نحن». لفظ أبي داود. ولفظهما: «فإنَّ رسول الله ﷺ مات ولم يَسُنَّه»٤.
(١) أخرجه أحمد (٦٥٥٣، ٦٧٩١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (٣/ ١٥٩)، والحاكم: (٤/ ٤١٤)، وأشار إليه الحافظ في «الفتح»: (١٢/ ٧٠) فقال: «أخرجه أحمد والحاكم من وجهين عنه، وفي كل منهما مقال»، يشير إلى الانقطاع بين الحسن وعبد الله بن عمرو في أحدهما، وشهر بن حوشب في الطريق الآخر، والحديث يتقوى بشواهده ..
(٢) أخرجه أبو داود (٤٤٨٥)، والبيهقي: (٨/ ٣١٤) من طريق سفيان عن الزهري عن قبيصة، ورجاله ثقات؛ غير أنه أعل بالإرسال؛ وأجاب الحافظ في «الفتح»: (١٢/ ٨٠) فقال: «وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة، وولد في عهد النبي ﷺ ولم يسمع منه، ورجال هذا الحديث ثقات مع إرساله، والظاهر أن الذي بلَّغ قبيصةَ ذلك صحابيٌّ، فيكون الحديث على شرط الصحيح؛ لأن إبهام الصحابيِّ لا يضر».
(٣) سبق تخريجه.
(٤) البخاري (٦٧٧٨)، ومسلم (١٧٠٧)، وأبو داود (٤٤٨٦).
قيل: المراد بذلك أنَّ رسول الله ﷺ لم يُقَدِّر فيه بقوله تقديرًا لا يُزاد عليه ولا يُنقَص كسائر الحدود، وإلَّا فعليٌّ قد شهدَ أنَّ رسول الله ﷺ ضرب فيها أربعين١.
وقوله: «إنَّما هو شيءٌ قلناه نحن»، يعني التَّقدير بثمانين، فإنَّ عمر جمع الصَّحابة واستشارهم، فأشاروا بثمانين، فأمضاها، ثمَّ جَلَد عليٌّ في خلافته أربعين، وقال: هذا أحبُّ إليَّ٢.
ومَن تأمَّل الأحاديث رآها تدلُّ على أنَّ الأربعين حدٌّ، والأربعون٣ الزَّائدة عليها تعزيرٌ اتَّفق عليها٤ الصَّحابةُ، والقتل إمَّا منسوخٌ وإمَّا أنَّه إلى رأي الإمام بحسب تهالك النَّاس فيها واستهانتهم بحدِّها٥، فإذا رأى قتلَ واحدٍ لينزجر٦ الباقون فله ذلك، وقد حَلَق فيها عمر وغرَّب٧. وهذا من الأحكام المتعلِّقة بالأئمَّة، وباللَّه التَّوفيق.
(١) أخرجه مسلم (١٧٠٧)، وأبو داود (٤٤٨٠)، وابن ماجه (٢٥٧١) وغيرهم.
(٢) ينظر الحاشية السابقة.
(٣) ب، ث: «الأربعين».
(٤) س، ب: «عليه».
(٥) في هامش ن تعليقٌ نصُّه: «وقد يقال يحمل على من شربها مستحلًّا لها، وتكرره منه ينبئ عن عدم التوبة».
(٦) ث: «ليزدجر»، وط الهندية: «ليزجر».
(٧) حَلْق الرأس أخرجه عبد الرزاق: (٩/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، والتغريب أخرجه عبد الرزاق: (٩/ ٢٣٠ - ٢٣١)، والنسائي (٥٦٧٦)، والبيهقي: (٨/ ٣٢١).