فإدخاله ﷺ جاحدَ العاريّة في اسم السَّارق، كإدخاله سائر أنواع المُسْكِر في اسم الخمر، فتأمَّله، وذلك تعريفٌ للأمَّة بمراد الله من كلامه.
وأسقطَ ﷺ القطعَ عن سارق الثَّمَر والكَثَر٢، وحكَم أنَّ من أصاب منه شيئًا بفمه وهو محتاجٌ فلا شيء عليه، ومن خرج منه بشيءٍ فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا في جرينه وهو بَيْدَرُه، فعليه القطع إذا بلغ ثمن المجنِّ٣. فهذا قضاؤه الفَصْل، وحُكْمه العَدْل.
وقضى في الشَّاة التي تؤخذ من مراتعها بثمنها مرَّتين، وضَرْب نكالٍ، وما أُخِذ من عَطَنه، ففيه القَطْع إذا بلغ ثمن المجنِّ٤.
(١) أخرجه البخاري (٣٤٧٥) ومسلم (١٦٨٨) من حديث عائشة ﵂.
(٣) أخرجه أبو داود (١٧١٠) و(٤٣٩٠)، والترمذي (١٢٨٩)، والنسائي (٤٩٥٨) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإسناده حسن. وأخرجه ابن ماجه (٢٥٩٥) من حديث أبي هريرة بلفظ: «لا قطع في ثمر ولا كَثَر»، وسنده ضعيف جدًّا؛ فيه سعدُ بن سعيد المقبري، وهو ضعيف، وأخوه، وهو متروك. لكن له شاهد بلفظه من حديث رافع بن خديج عند أبي داود (٤٣٨٨)، والترمذي (١٤٤٩)، والنسائي (٤٩٦٠)، وابن ماجه (٢٥٩٣)، بسند صحيح، وقد اختلف في وصله وإرساله، والوصل أرجح. قال الطحاوي: «هذا الحديث تلقَّت العلماءُ متنَه بالقبول». ينظر «البدر المنير»: (٨/ ٦٥٧).
(٤) أخرجه النسائي (٤٩٥٧، ٤٩٥٩)، وابن ماجه (٢٥٩٦) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وروى بعضَه أبو داود (١٧١٠، ٤٣٩)، والترمذي (١٢٨٩، ١٣٣٤) وحسَّنه، من حديث عَمرو بن شعيب أيضًا.
وقضى بقطع سارقِ رداءٍ، نامَ صفوانُ بنُ أميَّة عليه١ في المسجد، فأراد صفوان أن يهبه إيَّاه أو يبيعه منه، فقال: «هلَّا كان قبل أن تأتيني به»٢.
وقَطَع سارقًا سرقَ تُرسًا من صُفَّة النِّساء في المسجد٣.
ودرأ القطعَ عن عبدٍ من رقيق الخُمُس سَرَق من الخُمُس، وقال: «مال الله سرَقَ بعضُه بعضًا». ذكره٤ ابن ماجه٥.
ورُفِع إليه سارقٌ اعترفَ، ولم يوجد معه متاعٌ، فقال له: «ما إخالك سرقتَ؟» قال: بلى، فأعاد عليه مرَّتين أو ثلاثًا، فأَمَر به فقُطِع٦.
(١) غيّر الجملة في ط الرسالة: «بقطع سارقِ رداءِ صفوانِ بن أمية وهو نائم عليه ...».
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٩٤) والنسائي (٤٨٨٣) وابن ماجه (٢٥٩٥) من طرق عن صفوان بن أمية موصولًا ومرسلًا، ولا تخلو طرقه من مقال، وأجودها رواية طاوس عنه عند النسائي (٤٨٨٩)، وكذا روايته عن ابن عباس عند الداراقطني (٣٤٦٩) والحاكم: (٤/ ٣٨٠) وصحَّح إسناده، وصحح الطحاوي أيضًا في «مشكل الآثار»: (٦/ ١٥٧) روايةَ شبابة بن سوار، عن مالك، عن الزهري، عن عبد الله بن صفوان، عن أبيه، عند ابن ماجه (٢٥٩٥). فالحديث صحيح الإسناد من بعض طرقه، وقد صححه ابن عبد الهادي في «التنقيح»: (٤/ ٥٦٣) والألباني في «الإرواء» (٢٣١٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٣٨٦) والنسائي (٤٩٠٩) من حديث ابن عمر ﵄، وتمامه: «ثمنه ثلاثة دراهم» وإسناده قويّ، وأخرجه الشيخان بنحوه، كما سبق قريبًا.
(٤) في المطبوع: «رواه» خلاف النسخ.
(٥) (٢٥٩١) من حديث ابن عباس، وفي سنده جُبارة بن المغلّس، وحجاج بن تميم، وكلاهما ضعيف؛ وأخرجه عبد الرزاق (١٨٨٧٣)، والبيهقي: (٨/ ٢٨٢) بسند ضعيف عن ميمون بن مهران مرسلًا. ينظر «التلخيص»: (٤/ ١٣٠).
(٦) أخرجه أبو داود (٤٣٨٠)، والنسائي (٤٨٧٧)، وابن ماجه (٢٥٩٧) من حديث أبي أمية المخزومي ﵁ بسند ضعيف؛ فيه أبو المنذر مولى أبي ذر، وهو مجهول؛ وقد يشهد له حديث أبي هريرة الآتي، على تقدير وصله، لكن يخالفه في مجيء الإقرار فيه مرة واحدة.