زاد المعاد

ﷺ، فقال ابن عمر: لو سمعتُه لقتلتُه، إنَّا لم نُعْطِهم الذِّمَّة على أن يسبُّوا نبيَّنا.

والآثار عن الصَّحابة بذلك كثيرةٌ، وحكى غير واحدٍ من الأئمَّة الإجماعَ على قتله١. قال شيخنا٢: وهو محمولٌ على إجماع الصَّدر الأوَّل من الصَّحابة والتَّابعين. والمقصود: إنَّما هو ذِكْر حكم النَّبيِّ ﷺ وقضائه فيمن سبَّه.

وأمَّا تَرْكه ﷺ قَتْل مَن قَدَح في عَدْله بقوله: اعدل فإنَّك لم تعدل٣، وفي حُكْمه بقوله: أنْ كان ابنَ عمَّتك٤، وفي قَصْده بقوله: إنَّ هذه قسمةٌ ما أريد بها وجه الله٥، وفي خَلْوته بقوله: يقولون إنَّك تنهى عن الغيِّ وتستخلي به٦، وغير ذلك= فذلك أنَّ الحقَّ له، فله أن يستوفيه وله أن يتركه، وليس

  1. (١) ذكر طائفة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في «الصارم المسلول»: (٢/ ١٣ - ١٩).
  2. (٢) في «الصارم»: (٢/ ١٤).
  3. (٣) عند البخاري (٣١٣٨)، ومسلم (١٠٦٣) من حديث جابر﵁ -، في قصة قَسْم غنائم حنين، كما أخرجه البخاري (٣٦١٠، ٦١٦٣) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، في قصة ذي الخويصرة.
  4. (٤) أخرجه البخاري (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧) من حديث عبد الله بن الزبير ﵄، في قصة مخاصمة الزبير مع بعض الأنصار في شراج الحرة.
  5. (٥) عند البخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٠٦٢)، من حديث ابن مسعود ﵁، ورجح الحافظ كون القائل مُعتِّب بن قُشير. ينظر «الفتح»: (٨/ ٥٦).
  6. (٦) أخرجه أحمد في «المسند» (٢٠٠١٧)، وأبو داود (٣٦٣١)؛ غير أنه أبهم هذه اللفظة فقال: «ثم ذكر شيئًا»، كما أخرجه الترمذي (١٤١٧)، والنسائي (٤٨٧٥) مختصرًا، كلهم من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: أن أخاه قام إلى النبي ﷺ فقال: جيراني بم أخذوا؟ فأعرض عنه، ثم قال: جيراني بم أخذوا؟ فأعرض عنه، فقال: لئن قلت ذاك، إن الناس ليزعمون أنك تنهى عن الغي وتستخلي به، فقال: «ما قال؟» فقام أخوه، فقال رسول الله ﷺ: «إنه ليكفُّه عنه»، فقال: «أما لقد قلتموها، أو قائلها منكم، لئن كنت أفعل ذاك إنه لعليَّ وما هو عليكم، خَلّوا له عن جيرانه». قال الترمذي: «وفي الباب عن أبي هريرة. حديث بهز، عن أبيه، عن جده، حديث حسن». قال ابن تيمية في «الصارم»: (٢/ ٤٣٤): بإسناد صحيح، وينظر: «الإرواء» (٢٣٩٧).
90

لأمَّته ترك استيفاء حقِّه ﷺ.

وأيضًا فإنَّ هذا كان في أوَّل الأمر، حيث كان ﷺ مأمورًا بالعفو والصَّفح.

وأيضًا فإنَّه كان يعفو عن حقِّه لمصلحة التَّأليف وجَمْع الكلمة، ولئلَّا ينفِّر النَّاس عنه، ولئلَّا يتحدَّثوا أنَّه يقتل أصحابه، وكلُّ هذا يختصُّ بحياته ﷺ.

فصل

في حُكْمه ﷺ فيمن سَمَّه

ثبت في «الصَّحيحين»١: «أنَّ يهوديَّةً سمَّته في شاةٍ، فأكل منها لقمةً، ثمَّ لفَظَها، وأكل معه بِشْر بن البراء، فعفا عنها النَّبيُّ ﷺ ولم يعاقبها» هكذا في «الصَّحيحين».

وعند أبي داود٢: أنَّه أمر بقتلها. فقيل: إنَّه عفا عنها في حقِّه، فلمَّا مات بِشْر بن البراء، قتلها به.

وفيه دليلٌ على أنَّ من قدَّم لغيره طعامًا مسمومًا، يعلم به دون آكله، فمات به، أُقيد منه.

  1. (١) سبق تخريجه.
  2. (٢) (٤٥١١) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقد اختلف على محمد بن عمرو في وصله وإرساله؛ فأرسله عنه خالد الطحان وغيره، ووصله عباد بن العوام عند البيهقي في «الكبرى»: (٨/ ٤٦)، وحماد بن سلمة عند الحاكم: (٣/ ٢١٩)، وقال: «صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»، ينظر «مجمع الزوائد»: (٦/ ٢٩١).
91

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي