وأيضًا فإنَّ هذا كان في أوَّل الأمر، حيث كان ﷺ مأمورًا بالعفو والصَّفح.
وأيضًا فإنَّه كان يعفو عن حقِّه لمصلحة التَّأليف وجَمْع الكلمة، ولئلَّا ينفِّر النَّاس عنه، ولئلَّا يتحدَّثوا أنَّه يقتل أصحابه، وكلُّ هذا يختصُّ بحياته ﷺ.
فصل
في حُكْمه ﷺ فيمن سَمَّه
ثبت في «الصَّحيحين»١: «أنَّ يهوديَّةً سمَّته في شاةٍ، فأكل منها لقمةً، ثمَّ لفَظَها، وأكل معه بِشْر بن البراء، فعفا عنها النَّبيُّ ﷺ ولم يعاقبها» هكذا في «الصَّحيحين».
وعند أبي داود٢: أنَّه أمر بقتلها. فقيل: إنَّه عفا عنها في حقِّه، فلمَّا مات بِشْر بن البراء، قتلها به.
وفيه دليلٌ على أنَّ من قدَّم لغيره طعامًا مسمومًا، يعلم به دون آكله، فمات به، أُقيد منه.
(١) سبق تخريجه.
(٢) (٤٥١١) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقد اختلف على محمد بن عمرو في وصله وإرساله؛ فأرسله عنه خالد الطحان وغيره، ووصله عباد بن العوام عند البيهقي في «الكبرى»: (٨/ ٤٦)، وحماد بن سلمة عند الحاكم: (٣/ ٢١٩)، وقال: «صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»، ينظر «مجمع الزوائد»: (٦/ ٢٩١).
فصل
في حُكْمه ﷺ في الساحر
في الترمذي١ عنه: «حدُّ السَّاحر ضَرْبةٌ بالسَّيف». وهذا٢ الصَّحيحُ أنَّه موقوفٌ على جندب بن عبد اللَّه.
وصحَّ عن عمر أنَّه أمر بقتله٣، وصحَّ عن حفصة أنَّها قتلت مُدَبَّرةً سحرَتْها، فأنكر عليها عثمان، إذ فعلَتْه دون أمْرِه٤. ورُوي عن عائشة أنَّها قتلت أيضًا٥ مُدَبَّرةً سحَرتْها، ورُوي أنَّها باعتها٦. ذَكَره ابنُ المنذر
(١) (١٤٦٠)، وأخرجه الحاكم: (٤/ ٣٦٠) وصحح إسناده، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف متروك، وقد توبع، ولا يصح، قال الترمذي في «العلل الكبير»: (٢/ ٣٩): «سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا لا شيء ... وضعَّف إسماعيل بن مسلم المكي جدًّا»، وقال الترمذي: «والصحيح عن جندب موقوفًا». وتبِعه المصنف هنا. ينظر: «الضعيفة» (١٤٤٦).
(٢) ز، ط الهندية: «وهو»، وحذفت من ط الرسالة.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٠٤٣) من طريق عمرو بن دينار، عن بجالة بن عبدة، عن عمر مكاتبةً، وأخرجه بتمامه عبد الرزاق (٩٩٧٢)، وسنده صحيح، وأصله عند البخاري (٣١٥٦، ٦٢٦٢)، لكن دون ذكر الأمر بقتل السحَرة.
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» بلاغًا (٢٥٥٣) وليس فيه إنكار عثمان، ووصله عبد الرزاق (١٨٧٤٧)، وابن أبي شيبة (٢٨٤٩١)، والبيهقي في «السنن»: (٨/ ١٣٦) بسند صحيح، من طريق عبيد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر.
(٥) ز، ط الهندية: «عائشة أيضًا أنها ...».
(٦) جاء بيعُ الجارية عند الشافعي في «مسنده» (ص ٢٢٦)، ومن طريقه أحمد في «المسند» (٢٤١٢٦)، ورواه الدارقطني (٤٢٦٧) من طريق أبي الرِّجال محمد بن عبد الرحمن، عن عمرة. قال الحاكم: (٤/ ٢٤٤): «صحيح على شرط الشيخين»، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٧٥٧). أما قتلها فلم نجده مسندًا؛ لكن قال ابن عبد البر في «الاستذكار»: (٨/ ١٥٩): «وعند مالك في هذا الباب ــ أي قتل الساحر ــ عن عائشة». قال ابن الملقن في «البدر المنير»: (٨/ ٥٢٠) نقلًا عن ابن الصلاح: «وذُكر أن عائشة قتلتها، ولا يثبت، وإنما يثبت أنها باعتها»، ينظر «معرفة السنن»: (١٢/ ٢٠٣).