ولم يأت في ذلك من الحديث ما فيه بيانٌ شافٍ، وإنَّما جاء ذِكْر الخمس يقينًا في غنائم حنينٍ.
وقال الواقديُّ١: أوَّل خُمُسٍ خُمِّس في غزوة بني قينقاع بعد بدرٍ بشهرٍ وثلاثة أيَّامٍ، نزلوا على حكمه، فصالحهم على أنَّ له٢ أموالهم، ولهم النِّساء والذُّرِّيَّة، وخَمَّس أموالَهم.
وقال عُبادة بن الصَّامت٣: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى بدرٍ، فلمَّا هزم الله العدوَّ، تَبِعتْهم طائفةٌ يقتلونهم، وأحدقت طائفةٌ٤ برسول الله ﷺ، وطائفةٌ استولت على العسكر والغنيمة، فلمَّا رجع الذين طلبوهم، قالوا: لنا النَّفَل نحن طلبنا العدوَّ، وقال الذين أحْدَقوا برسول الله ﷺ: نحن أحقُّ به، لأنَّا أحْدَقنا برسول الله ﷺ أن لا ينال العدوُّ غرَّته، وقال الذين استولوا على العسكر: هو لنا، نحن حويناه. فأنزل الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾[الأنفال: ١]. فقسمه رسولُ الله ﷺ عن بواءٍ قبل أن ينزل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾[الأنفال: ٤١]».
(١) «المغازي»: (١/ ١٧ - ١٨، ١٧٩).
(٢) س، ي، وهامش ز: «لهم»، خطأ.
(٣) رواه أحمد في «المسند» (٢٢٧٦٢) من طريق أبي أمامة عن عبادة، وفيه: عبد الرحمن بن عياش بن أبي ربيعة؛ وهو صدوق له أوهام، وله شواهد، وصححه ابن حبان (٤٨٥٥)، والحاكم: (٢/ ١٣٥، ١٣٦). ومعنى «عن بواء» أي عن سواء لفظًا ومعنى.
(٤) ن: «طائفة منهم».
وقال القاضي إسماعيل١: إنَّما قَسَم رسولُ الله ﷺ أموالَ بني النَّضير بين المهاجرين، وثلاثةٍ من الأنصار: سهل بن حُنَيفٍ، وأبي دجانة، والحارث بن الصِّمَّة= أنَّ٢ المهاجرين حين قدموا المدينةَ، شاطرتهم الأنصارُ ثمارَهم، فقال لهم رسول الله ﷺ: «إن شئتم قسمتُ أموالَ بني النَّضير بينكم وبينهم، وأقمتم على مواساتهم في ثماركم، وإن شئتم أعطينا المهاجرين٣ دونكم، وقطعتم عنهم ما كنتم تعطونهم من ثماركم». فقالوا: بل تعطيهم دوننا، ونمسك ثمارنا، فأعطاها رسولُ الله ﷺ المهاجرين، فاستغنوا بما أخذوا، واستغنى الأنصار بما رجع إليهم من ثمارهم٤، وهؤلاء الثَّلاثة من الأنصار شَكَوا حاجةً.
فصل
وكان طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيدٍ بالشَّام لم يشهدا بدرًا، فقسم لهما رسول الله ﷺ سهميهما، فقالا: وأجورنا يا رسول اللَّه؟ فقال:
(١) هو القاضي إسماعيل بن إسحاق الأزدي المالكي (ت ٢٨٢). ولم أجد مَن نقل كلامه.
(٢) ط الفقي والرسالة: «لأن» خلاف النسخ.
(٣) س، ط الهندية: «أعطيناها للمهاجرين».
(٤) أخرجه الواقدي في «المغازي»: (١/ ٣٧٩) من حديث أم العلاء﵁ -، والواقدي متروك مع سعة علمه، ورواه أبو داود (٣٠٠٤) بنحوه مختصرًا من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، وصحح إسناده الحافظ في «الفتح»: (٧/ ٣٣١). وله طرق أخرى منقطعة. ينظر «تخريج الكشاف»: (٣/ ٤٤١) للزيلعي.