زاد المعاد

وكان يحبُّها، وأكل المسلوقة. وأكل الثَّريد بالسَّمن، وأكل الجبن، وأكل الخبز بالزيت، وأكل البطِّيخ بالرُّطَب. وأكل التمر بالزُّبْد، وكان يحبه.

فلم يكن يرُدُّ طيِّبًا، ولا يتكلَّفه؛ بل كان هديُه أكلَ ما تيسَّر، فإن أعوَزه صبَر حتى إنه ليربِط على بطنه الحجرَ من الجوع، ويُرَى الهلالُ والهلالُ والهلالُ، فلا يوقد في بيته ﷺ نار!

وكان مطعمُه١ يوضع على الأرض في السُّفَر، وهي كانت مائدته. وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقها إذا فرغ، وهو أشرف ما يكون من الأَكْلة؛ فإن المتكبِّر يأكل بأصبع واحدة، والجَشِع الحريص يأكل بالخمس ويدفع بالراحة.

وكان لا يأكل متكئًا. والاتكاء ثلاثة أنواع، أحدها: الاتكاء على الجنب، والثاني: التربُّع٢، والثالث: الاتكاء على إحدى يديه وأكله بالأخرى، والثلاثة مذمومة.

وكان يسمِّي الله على أول طعامه، ويحمده في آخره فيقول عند انقضائه: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، غيرَ مكفيٍّ ولا مودَّع ولا مستغنًى عنه، ربَّنا٣»٤.

وربما قال: «الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم. منَّ علينا، فهدانا،

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «معظم مطعمه» بزيادة لفظ «معظم».
  2. (٢) ك، ع: «التربيع».
  3. (٣) «ربنا» من ق، مب، ن.
  4. (٤) أخرجه البخاري (٥٤٥٨) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁.
149

وأطعمنا، وسقانا، وكلَّ بلاءٍ حسنٍ أبلانا. الحمد لله الذي أطعَم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسا من العُرْي، وهدَى من الضلالة، وبصَّر من العمَى، وفضَّل على كثير ممن خلق تفضيلًا. الحمد لله رب العالمين»١.

وربما قال: «الحمد لله الذي أطعَم وسقَى وسوَّغه»٢.

وكان إذا فرغ من طعامه لعِق أصابعه. ولم يكن لهم مناديل يمسحون بها أيديهم، ولم تكن عادتهم غسل أيديهم كلَّما أكلوا٣.

وكان أكثر شربه قاعدًا، بل زجَر عن الشرب قائمًا. وشرب مرةً قائمًا، فقيل: هذا نسخٌ لنهيه، وقيل: منسوخ به٤، وقيل: بل فعله بيانًا لجواز الأمرين. والذي يظهر فيه ــ والله أعلم ــ أنها واقعةُ عينٍ شرب فيها قائمًا لعذر. وسياق القصة٥ يدل عليه، فإنه أتى زمزمَ، وهم يسقُون منها٦، فأخذ

  1. (١) أخرجه النسائي في «الكبرى» (١٠٠٦٠) والطبراني في «الدعاء» (٨٩٦) وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٤٨٥) من حديث أبي هريرة. وصححه ابن حبان (٥٢١٩) والحاكم (١/ ٥٤٦)، وحسن إسناده الألباني في «التعليقات الحسان» (٥١٩٦).
  2. (٢) تمامه: «وجعل له مخرجًا». أخرجه أبو داود (٣٨٥١) والنسائي في «الكبرى» (٦٨٦٧، ١٠٠٤٤) والطبراني في «الدعاء» (٨٩٧) و«المعجم الكبير» (٤/ ١٨٢) وابن السني (٤٧٠)، صححه ابن حبان (٥٢٢٠) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٠٦١).
  3. (٣) في ق: «له مناديل يمسح بها يديه، ولم تكن عادته غسل يديه كلما أكل»، وكأن بعضهم تصرَّف في النسخة.
  4. (٤) «وقيل منسوخ به» ساقط من الطبعة الميمنية وما بعدها.
  5. (٥) أخرجها مسلم (١٢١٨/ ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله في وصف حج النبي ﷺ، وستأتي في فصول الحج (٢/ ٣٣٨).
  6. (٦) ص، ج: «يستقون بها».
150

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي