يصرفه فيها، ولم يَعْدُها١ إلى سواها، فأين تعميم الأصناف الخمسة به؟ والَّذي يدلُّ عليه هديُ رسول الله ﷺ وأحكامُه أنَّه كان يجعل مصارف الخمس كمصارف الزَّكاة، ولا يخرج بها عن الأصناف المذكورة، لا أنَّه يقسمه بينهم كقسمة٢ الميراث، ومَن تأمَّل سيرتَه وهديَه حقَّ التَّأمُّل لم يشكَّ في ذلك.
وفي «الصَّحيحين»٣: عن عمر بن الخطَّاب قال: «كانت أموال بني النَّضير ممَّا أفاء الله على رسوله ممَّا لم يوجِف المسلمون عليه بخيلٍ ولا ركابٍ، فكانت للنبيّ ﷺ، فكان ينفق على٤ أهله نفقةَ سنةٍ»، وفي لفظٍ: «يحبس لأهله قوتَ سنتهم، ويجعل ما بقي في الكُراع والسِّلاح عُدَّةً في سبيل اللَّه».
وفي «السُّنن»٥: عن عوف بن مالكٍ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أتاه الفيء قسمه من يومه، فأعطى الآهِلَ حظَّين، وأعطى العَزَب٦ حظًّا».
(١) ن، وط الهندية: «ولم يعده».
(٢) ن: «قسمةَ».
(٣) أخرجه البخاري (٢٩٠٤، ٤٨٨٥)، ومسلم (١٧٥٧).
(٤) ط الفقي والرسالة: «للنبي ﷺ خاصة ينفق منها على ...» خلاف الأصول، وكلمة «خاصة» كتبها أحد المطالعين على هامش نسخة ز.
(٥) عند أبي داود (٢٩٥٣) وأحمد (٢٣٩٨٦) بسند صحيح، من طريق عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن عوف بن مالك ﵁ . وصححه ابن حبان (٤٨١٦)، والحاكم: (٢/ ١٤٠ - ١٤١).
(٦) في هامش ن، ث: «الأعزب».
فهذا تفضيلٌ منه للآهِل بحسب المصلحة والحاجة، وإن لم تكن زَوْجُه مِن ذوي القُربى.
وقد اختلف الفقهاء في الفيء، هل كان ملكًا لرسول الله ﷺ يتصرَّف فيه كيف يشاء، أو لم يكن ملكًا له؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره١.
والَّذي تدلُّ عليه سُنَّته وهديه أنَّه كان يتصرَّف فيه بالأمر، فيضعه حيث أمره اللَّه، ويقسمه على مَن أُمِر بقسمته عليهم، فلم يكن يتصرَّف فيه تصرُّف المالك بشهوته وإرادته، يعطي مَن أحبَّ ويمنع مَن أحبَّ، وإنَّما كان يتصرَّف فيه تصرُّف العبد المأمور ينفِّذ٢ ما أمره به سيِّده ومولاه، فيعطي من أُمِر بإعطائه، ويمنع مَن أُمِر بمنعه. وقد صرَّح رسول الله ﷺ بهذا فقال: «واللَّه إنِّي لا أعطي أحدًا ولا أمنعه، إنَّما أنا قاسمٌ أضع حيثُ أُمِرت»٣، فكان عطاؤه ومَنْعه وقَسْمه بمجرَّد الأمر، فإنَّ الله سبحانه خيَّره بين أن يكون عبدًا رسولًا، وبين أن يكون مَلِكًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا.
والفرق بينهما: أنَّ العبد الرَّسول لا يتصرَّف إلا بأمر سيِّده ومُرْسله، والمَلِك الرَّسول له أن يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، كما قال تعالى للمَلِك الرَّسول سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ﴾[ص: ٣٩]. أي: أعط