ومن تأمَّل النُّصوصَ وعَمَلَ رسول الله ﷺ وخلفائه، وجده يدلُّ على قول أهل المدينة، فإنَّ الله سبحانه جعل أهلَ الخُمُس هم أهل الفيء، وعيَّنهم اهتمامًا بشأنهم وتقديمًا لهم، ولمَّا كانت الغنائم خاصَّةً بأهلها لا يَشْرَكهم فيها سواهم نصَّ على خُمُسها لأهل الخمس، ولمَّا كان الفيء لا يختصُّ بأحدٍ دون أحدٍ جعل جملتَه لهم وللمهاجرين والأنصار وتابعيهم، فسوَّى بين الخُمُس وبين الفيء في المصرف.
وكان رسول الله ﷺ يصرف سهمَ الله وسهمَه في مصالح الإسلام، وأربعةَ أخماس الخُمُس في أهلها مقدِّمًا للأهمِّ فالأهمِّ، والأحوج فالأحوج، يزوِّج منه عزَّابهم١، ويقضي منه ديونهم، ويُعين ذا الحاجة منهم، ويعطي عزَبَهم حظًّا، ومتزوِّجهم حظَّين. ولم يكن هو ولا أحدٌ من خلفائه يجمعون اليتامى والمساكين وأبناء السَّبيل وذوي القربى، ويقسمون أربعةَ أخماس الفيء بينهم على السَّويَّة٢ ولا على التَّفضيل، كما لم يكونوا٣ يفعلون ذلك في الزَّكاة. فهذا هديه وسيرته٤، هو٥ فَصْل الخطاب، ومحض الصَّواب. وبالله التوفيق٦.
(١) ب: «عزبهم». وفي ن، وط الهندية: «عزبانهم».
(٢) ز: «التسوية».
(٣) س، ي: «كما كانوا ...».
(٤) ينظر «منهاج السنة»: (٦/ ١٠٥ - ١١١).
(٥) ب، ط الهندية: «وهو».
(٦) «وبالله التوفيق» ليست في ب وط الهندية.
فصل
في حُكْمه ﷺ في الوفاء بالعهد لعدُوِّه، وفي رسلهم أن لا يُقتلوا ولا يُحبَسوا، وفي النَّبْذِ إلى مَن عاهده على سواءٍ إذا خاف منه نقض العهد
ثبت عنه أنَّه قال لرسولَي مسيلمةَ الكذَّاب ــ لمَّا قالا: نقول إنَّه رسول اللَّه ــ: «لولا أنَّ الرُّسل لا تُقتل لقتلتكما»١.
وثبت عنه أنَّه قال لأبي رافع، وقد أرسلَتْه إليه قريشٌ، فأراد المقام عنده، وأن لا يرجع إليهم، فقال: «إنِّي لا أخِيْسُ بالعهد، ولا أحْبِس البُرُد، ولكن ارجع٢، فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع»٣.
وثبت عنه أنَّه ردَّ إليهم أبا جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم: أن يَرُدَّ إليهم مَن جاءه منهم مسلمًا٤. ولم يردَّ النِّساء، وجاءت سُبيعة الأسلمية مسلمةً، فخرج زوجها في طلبها، فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ
(١) أخرجه أبو داود (٢٧٦١) من حديث نعيم بن مسعود ﵁، وفيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس؛ وثبت تصريحه بالسماع عند أحمد (١٥٩٨٩)، والحاكم: (٣/ ٥٢) وصححه، ونقل الترمذي في «العلل» (ص ٣٨١) تحسين البخاري له. وله شاهد صحيح من حديث ابن مسعود ﵁. انظر «البدر المنير»: (٩/ ٩١)، و«مجمع الزوائد»: (٥/ ٣١٤).
(٢) ط الفقي والرسالة زيادة: «إلى قومك» ولا وجود لها في النسخ.
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٨٧٥)، وأبو داود (٢٧٥٨)، والنسائي في «الكبرى» (٨٦٧٤) من طريق الحسن بن علي بن أبي رافع عن جده سماعًا، وصححه ابن حبان (٤٨٧٧)، والحاكم: (٣/ ٥٩٨). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٧٠٢).