زاد المعاد

فصل

في حُكْمه ﷺ في الوفاء بالعهد لعدُوِّه، وفي رسلهم أن لا يُقتلوا ولا يُحبَسوا، وفي النَّبْذِ إلى مَن عاهده على سواءٍ إذا خاف منه نقض العهد

ثبت عنه أنَّه قال لرسولَي مسيلمةَ الكذَّاب ــ لمَّا قالا: نقول إنَّه رسول اللَّه ــ: «لولا أنَّ الرُّسل لا تُقتل لقتلتكما»١.

وثبت عنه أنَّه قال لأبي رافع، وقد أرسلَتْه إليه قريشٌ، فأراد المقام عنده، وأن لا يرجع إليهم، فقال: «إنِّي لا أخِيْسُ بالعهد، ولا أحْبِس البُرُد، ولكن ارجع٢، فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع»٣.

وثبت عنه أنَّه ردَّ إليهم أبا جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم: أن يَرُدَّ إليهم مَن جاءه منهم مسلمًا٤. ولم يردَّ النِّساء، وجاءت سُبيعة الأسلمية مسلمةً، فخرج زوجها في طلبها، فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ

  1. (١) أخرجه أبو داود (٢٧٦١) من حديث نعيم بن مسعود ﵁، وفيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس؛ وثبت تصريحه بالسماع عند أحمد (١٥٩٨٩)، والحاكم: (٣/ ٥٢) وصححه، ونقل الترمذي في «العلل» (ص ٣٨١) تحسين البخاري له. وله شاهد صحيح من حديث ابن مسعود ﵁. انظر «البدر المنير»: (٩/ ٩١)، و«مجمع الزوائد»: (٥/ ٣١٤).
  2. (٢) ط الفقي والرسالة زيادة: «إلى قومك» ولا وجود لها في النسخ.
  3. (٣) أخرجه أحمد (٢٣٨٧٥)، وأبو داود (٢٧٥٨)، والنسائي في «الكبرى» (٨٦٧٤) من طريق الحسن بن علي بن أبي رافع عن جده سماعًا، وصححه ابن حبان (٤٨٧٧)، والحاكم: (٣/ ٥٩٨). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٧٠٢).
  4. (٤) سبق تخريجه.
127

الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠]، فاستحلفها رسولُ الله ﷺ أنَّه لم يُخرِجْها إلا الرَّغبةُ في الإسلام، وأنَّها لم تخرج لحدَثٍ أحدثَتْه في قومها، ولا بغضًا لزوجها، فحلفت، فأعطى رسولُ الله ﷺ زوجَها مهرَها، ولم يردَّها عليه١.

فهذا حكمه الموافق لحكم اللَّه، ولم يجئ شيءٌ ينسخه البتَّة. ومن زعم أنَّه منسوخٌ، فليس بيده إلا الدَّعوى المجرَّدة، وقد تقدَّم بيان ذلك في قصَّة الحديبية٢.

وقال تعالى: ﴿يَذَّكَّرُونَ ٥٧ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا﴾ [الأنفال: ٥٨].

وقال ﷺ: «مَن كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يحلَّنَّ عقدًا، ولا يشدَّنَّه حتَّى يمضي أمدُه، أو يَنْبِذ إليهم على سواءٍ»٣. قال الترمذي: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.

ولمَّا أسرت قريشٌ حذيفةَ بن اليمان وأباه أطلقوهما، وعاهدوهما أن لا

  1. (١) نقله الحافظ في «الفتح»: (٩/ ٤١٩) بطوله عن ابن الطلّاع في «أحكامه»، وعزاه البغوي في «تفسيره» لابن عباس ﵄، وأسنده إليه الفاكهي ــ مختصرًا ــ في «أخبار مكة» (٢٨٦٥) من طريق رجلين مبهمين، عن ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، وسنده تالف، مسلسل بالمجاهيل والمتروكين. وينظر «الإصابة»: (٧/ ٦٩٢).
  2. (٢) (٣/ ١٦٥ - ١٦٨، ٣٦٥).
  3. (٣) أخرجه أبو داود (٢٧٥٩)، والترمذي (١٥٨٠)، وكذا ابن حبان (٤٨٧١) من حديث عمرو بن عبسة ﵁. وصححه الترمذي كما ذكر المصنف هنا. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁ عند البخاري (٣٦٩، ٣١٧٧).
128

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي