الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠]، فاستحلفها رسولُ الله ﷺ أنَّه لم يُخرِجْها إلا الرَّغبةُ في الإسلام، وأنَّها لم تخرج لحدَثٍ أحدثَتْه في قومها، ولا بغضًا لزوجها، فحلفت، فأعطى رسولُ الله ﷺ زوجَها مهرَها، ولم يردَّها عليه١.
فهذا حكمه الموافق لحكم اللَّه، ولم يجئ شيءٌ ينسخه البتَّة. ومن زعم أنَّه منسوخٌ، فليس بيده إلا الدَّعوى المجرَّدة، وقد تقدَّم بيان ذلك في قصَّة الحديبية٢.
وقال ﷺ: «مَن كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يحلَّنَّ عقدًا، ولا يشدَّنَّه حتَّى يمضي أمدُه، أو يَنْبِذ إليهم على سواءٍ»٣. قال الترمذي: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ولمَّا أسرت قريشٌ حذيفةَ بن اليمان وأباه أطلقوهما، وعاهدوهما أن لا
(١) نقله الحافظ في «الفتح»: (٩/ ٤١٩) بطوله عن ابن الطلّاع في «أحكامه»، وعزاه البغوي في «تفسيره» لابن عباس ﵄، وأسنده إليه الفاكهي ــ مختصرًا ــ في «أخبار مكة» (٢٨٦٥) من طريق رجلين مبهمين، عن ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، وسنده تالف، مسلسل بالمجاهيل والمتروكين. وينظر «الإصابة»: (٧/ ٦٩٢).
(٢) (٣/ ١٦٥ - ١٦٨، ٣٦٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٧٥٩)، والترمذي (١٥٨٠)، وكذا ابن حبان (٤٨٧١) من حديث عمرو بن عبسة ﵁. وصححه الترمذي كما ذكر المصنف هنا. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁ عند البخاري (٣٦٩، ٣١٧٧).
يقاتلاهم مع رسول الله ﷺ، وكانوا خارجين إلى بدرٍ، فقال رسول الله ﷺ: «نفي لهم١ بعهدهم، ونستعينُ الله عليهم»٢.
فصل
في حُكْمه في الأمان الصادر من الرجال والنساء
ثبتَ عنه أنَّه قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمَّتهم أدناهم»٣.
وثبت عنه أنَّه «أجارَ رجلَين أجارَتْهما أمُّ هانئ ابنةُ عمِّه»٤. وثبت عنه أنَّه أجار أبا العاص بن الرَّبيع لمَّا أجارَتْه ابنتُه زينب، ثمَّ قال: «يجير على المسلمين أدناهم»٥. وفي حديثٍ آخر: «يجير على المسلمين أدناهم، ويردُّ
(١) زاد في طبعتي الفقي والرسالة: «انصرفا، نفي ...»، وفي س، ي: «نفي إليهم».
(٢) أخرجه مسلم (١٧٨٧) من حديث حذيفة بن اليمان ﵁.
(٣) أخرجه أحمد (٧٠١٢)، وأبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجه (٢٦٨٥) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأخرجه ابن حبان (٢٢٨٠)، وابن الجارود في «المنتقى» (٧٧١). وفي الباب عن عليّ عند أبي داود (٤٥٣٠)، وابن عباس ومعقل بن يسار عند ابن ماجه (٢٦٨٣، ٢٦٨٤)، وابن عمر عند ابن حبان (٥٩٩٦)، وعائشة عند ابن أبي عاصم في «الديات» (ص ٢٥). ينظر: «الإرواء» (٢٢٠٨).
(٤) أخرجه البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦)، وفيه أنها قالت: «زعم ابنُ أمي عليُّ بن أبي طالب أنه قاتِلٌ رجلًا أَجرْتُه، فلانَ ابنَ هبيرة، فقال رسول الله ﷺ: قد أَجَرْنا من أَجَرْتِ يا أمَّ هانئ».
(٥) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤٨٢٢) من حديث أم سلمة ﵂، وفي سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف ما لم يرو عنه العبادلة ومَن في حكمهم، وقد روى عنه هنا يحيى بن بكير؛ لكن تابعه عبد الله بن وهب عند الحاكم: (٤/ ٤٥)، فصحَّ الحديث. ينظر: «الصحيحة» (٢٨١٩). وأخرجه الحاكم: (٤/ ٤٥) وغيره من طريقين ــ أحدهما حسن ــ عن الزهري عن أنس بن مالك ﵁. وفي الباب عن أبي أمامة، وأبي هريرة، وأبي عبيدة، وعائشة، وعمرو بن العاص ﵁، وشواهد أخرى سبق بيانها. ينظر «مجمع الزوائد»: (٥/ ٣٢٩ - ٣٣٠). تنبيه: وهم محققا النسخة المطبوعة؛ فخرَّجا هنا حديث عمرو بن العاص ﵁ في قصة أَسْرِه محمد بن أبي بكر ﵁، وحديث أبي هريرة ﵁، وغَفَلا عن حديثَي أمِّ سلمة وأنس ﵄، المعنِيَّيْن هنا في قصة زينب وزوجها ﵄!