على بعضٍ، ثمَّ مَن سلّم أنَّ كفر عبَدَة الأوثان أغلظ من كفر المجوس١؟ وأيُّ فرقٍ بين عبادة٢
النيران والأوثان؟! بل كفر المجوس أغلظ، وعبَّاد الأوثان كانوا يقرُّون بتوحيد الرُّبوبيَّة، وأنَّه لا خالق إلا اللَّه، وأنَّهم إنَّما يعبدون آلهتهم لتقرِّبهم إلى الله سبحانه، ولم يكونوا يقرُّون بصانِعَين للعالَم، أحدهما: خالقٌ للخير، والآخر للشَّرِّ، كما تقوله المجوس، ولم يكونوا يستحلُّون نكاح الأمَّهات والبنات والأخوات، وكانوا على بقايا من دين إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.
وأمَّا المجوس فلم يكونوا على كتابٍ أصلًا، ولا دانوا بدين أحدٍ من الأنبياء، لا في عقائدهم ولا شرائعهم، والأثر الذي فيه أنَّه كان لهم كتابٌ فَرُفِع ورُفِعت شريعتهم لمَّا وقع ملكهم على ابنته، لا يصحُّ البتَّة٣، ولو صحَّ لم يكونوا بذلك من أهل الكتاب، فإنَّ كتابهم رُفع وشريعتهم بطَلَت فلم يبقوا على شيءٍ منها.
ومعلومٌ أنَّ العرب كانوا على دين إبراهيم ﵇، وكان له صحفٌ
(١) غيّر العبارة في طبعتي الفقي والرسالة إلى: «ثم إن كفر عبدة الأوثان ليس أغلظ من ...».
(٢) س، د، ط الهندية: «عبدة» ..
(٣) أخرجه الشافعي في «الأم»: (٥/ ٤٠٧)، وأبو يعلى في «المسند» (٣٠١)، والبيهقي في «الكبرى»: (٩/ ١٨٨) موقوفًا على علي ﵁، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (٦/ ١٢): «فيه أبو سعد البقال، وهو متروك»، وقد ضعفه جلُّ النقاد، كابن معين والبخاري والنسائي. وضعف الحديثَ ابنُ عبد البر، ونقل تضعيفه عن أبي عبيد. ينظر «التلخيص الحبير»: (٣/ ٣٧٩).
وشريعةٌ، وليس تغيير عبَدَة١ الأوثان لدين إبراهيم وشريعته بأعظم من تغيير المجوس لدين نبيِّهم وكتابهم لو صحَّ، فإنَّه لا يُعرَف عنهم التَّمسُّك بشيءٍ من شرائع الأنبياء، بخلاف العرب، فكيف يُجعَل المجوس الذين دينهم أقبح الأديان أحسنَ حالًا من مشركي العرب. وهذا القول أصحُّ في الدَّليل كما ترى.
وفرَّقت طائفةٌ ثالثةٌ بين العرب وغيرهم، فقالوا: تؤخذ من كلِّ كافرٍ إلا مشركي العرب.
ورابعةٌ: فرَّقت بين قريشٍ وغيرهم، وهذا لا معنى له، فإنَّ قريشًا لم يبق فيهم كافرٌ يحتاج إلى قتاله وأخذ الجزية منه البتَّة، وقد كتب النَّبيُّ ﷺ إلى أهل هجر، وإلى المنذر بن ساوى، وإلى ملوك الطَّوائف يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية، ولم يفرِّق بين عربيٍّ ولا غيره.
وأمَّا حكمه في قَدْرِها، فإنَّه بعث معاذًا إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كلِّ حالمٍ دينارًا أو قيمته مَعَافر٢،
وهي ثيابٌ معروفةٌ باليمن. ثمَّ زاد فيها عمر
(١) ن: «هذه».
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٧٦، ٣٠٣٨)، والترمذي (٦٢٣)، والنسائي (٢٤٥٠)، وابن ماجه (١٨٠٣) من حديث معاذ ﵁، وقد اختلف في وصله وإرساله، والمحفوظ وصلُه من طريق أبي وائل عن مسروق عن معاذ. ينظر «العلل» للدارقطني: (٦/ ٦٨). وفي سماع مسروق من معاذ خلاف؛ لم يثبته عبد الحق في «أحكامه»، وقال الحافظ في «الفتح»: (٣/ ٣٢٤): «في الحكم بصحته نظر»! والجمهور على اتصاله؛ منهم ابن المديني، وابن بطال، وابن حزم ــ آخر قوليه ــ، وابن عبد البر، وابن القطان، والصنعاني، وقد حسنه الترمذي، ورجَّح المرسل عليه. وكذا أخرجه ابن الجارود (٣٤٣)، وابن خزيمة (٢٢٦٨)، وابن حبان (٤٨٨٦)، والحاكم: (١/ ٣٩٨). ينظر «التمهيد»: (٢/ ٢٧٥)، و«المحلّى»: (٤/ ١٠٠)، و«نصب الراية»: (٢/ ٣٤٦)، و«التلخيص»: (٤/ ٣١٣). وقد روي من طرق أخرى عن معاذ، وكلها منقطعة، وصحح الشافعي والبيهقي منها طريق طاوس عنه. وفي الباب عن ابن مسعود، وابن عباس، وأنس، وعمرو بن حزم، ولا تخلو من مقال. انظر «البدر المنير»: (٥/ ٤٢٦ - ٤٣٦، ٩/ ١٨٤)، «صحيح أبي داود - الأم» (١٤٠٨).