على جواز صلح الإمام لعدوِّه ما شاء من المدَّة، فيكون العقد جائزًا له فسخُه متى شاء، وهذا هو الصَّواب، وهو موجَب حكم رسول الله ﷺ الذي لا ناسخ له.
فصل
وكان في صلحه لأهل مكَّة أنَّ مَن أحبَّ أن يدخل في عهده١ وعقده دخل، ومَن أحبَّ أن يدخل في عهد قريشٍ وعقدهم دخل، وأنَّ من جاءهم من عنده لا يردُّونه إليه، ومن جاءه منهم ردَّه إليهم، وأنَّه يدخل العامَ القابلَ إلى مكَّة فيُخْلوها٢ له ثلاثًا، ولا يدخلها إلا بِجُلُبَّان٣ السَّلاح، وقد تقدَّم ذكر هذه القصَّة وفقهها في موضعه٤.
✽ ✽ ✽
(١) المطبوع: «عهد محمد» خلاف النسخ.
(٢) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «يخلونها».
(٣) الجُلُبَّان: شبه الجراب، يوضع فيه السيف مغمودًا والسوط ونحوه. وفي ضبطه وجهان: جُلُبّان بضمتين وتشديد الباء، وجُلْبَان بضم الجيم وسكون اللام والتخفيف. ينظر «النهاية في غريب الحديث»: (١/ ٢٨٢)، و«فتح الباري»: (٥/ ٣٠٥).
(٤) (٣/ ٣٣٨ - ٣٧٥).
ذِكْر أقضيته وأحكامه في النكاح وتوابعه
فصل
في حُكْمه في الثَّيِّب والبكر يزوِّجهما أبوهما
ثبت عنه في «الصَّحيحين»١: «أنَّ خنساء بنت خِدام زوَّجها أبوها وهي كارهةٌ، وكانت ثيِّبًا، فأتت رسولَ الله ﷺ، فردَّ نكاحها».
وفي «السُّنن»٢
من حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ جاريةً بكرًا أتت رسول الله ﷺ، فذكرَتْ له أنَّ أباها زوَّجها وهي كارهةٌ، فخيَّرها النَّبيُّ ﷺ». وهذه غير خنساء، فهما قضيَّتان قضى في إحداهما بتخيير الثَّيِّب، وقضى في الأخرى بتخيير البكر.
(١) البخاري (٥١٣٨، ٦٩٤٥، ٦٩٦٩) من حديث خنساء، ولم يخرجه مسلم، وهو في السنن عدا الترمذي، ينظر «تحفة الأشراف»: (١١/ ٢٩٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٩٦)، وابن ماجه (١٨٧٥)، وقد أُعلَّ هذا الحديث بالإرسال، وبتفرد حسين بن محمد المروزي وجرير به، أما الإرسال: فرواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلًا، وخالفه جرير بن حازم فوصله، وهو ثقة، وقد تابعه الثوري، وزيد بن حبان؛ كما تابع حُسينًا سليمانُ بن حرب، فارتفع التفرُّد، وصحَّ الحديث. وقد قواه ابن القطان، وابن التركماني، والمصنف، والحافظ وقال في «الفتح»: (٩/ ١٩٦): «الطعن في الحديث لا معنى له». وفي الباب عن عائشة، وبريدة ﵄. ينظر «بيان الوهم والإيهام»: (٢/ ٢٥٠)، و«الجوهر النقي»: (٧/ ١١٧)، و«تهذيب السنن»: (٣/ ٤٠)، و«أعلام الموقعين»: (٢/ ١٠٥)، و«صحيح أبي داود - الأم» (١٨٢٧).