ثبت عنه في «الصَّحيحين»١: «أنَّ خنساء بنت خِدام زوَّجها أبوها وهي كارهةٌ، وكانت ثيِّبًا، فأتت رسولَ الله ﷺ، فردَّ نكاحها».
وفي «السُّنن»٢
من حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ جاريةً بكرًا أتت رسول الله ﷺ، فذكرَتْ له أنَّ أباها زوَّجها وهي كارهةٌ، فخيَّرها النَّبيُّ ﷺ». وهذه غير خنساء، فهما قضيَّتان قضى في إحداهما بتخيير الثَّيِّب، وقضى في الأخرى بتخيير البكر.
(١) البخاري (٥١٣٨، ٦٩٤٥، ٦٩٦٩) من حديث خنساء، ولم يخرجه مسلم، وهو في السنن عدا الترمذي، ينظر «تحفة الأشراف»: (١١/ ٢٩٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٩٦)، وابن ماجه (١٨٧٥)، وقد أُعلَّ هذا الحديث بالإرسال، وبتفرد حسين بن محمد المروزي وجرير به، أما الإرسال: فرواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلًا، وخالفه جرير بن حازم فوصله، وهو ثقة، وقد تابعه الثوري، وزيد بن حبان؛ كما تابع حُسينًا سليمانُ بن حرب، فارتفع التفرُّد، وصحَّ الحديث. وقد قواه ابن القطان، وابن التركماني، والمصنف، والحافظ وقال في «الفتح»: (٩/ ١٩٦): «الطعن في الحديث لا معنى له». وفي الباب عن عائشة، وبريدة ﵄. ينظر «بيان الوهم والإيهام»: (٢/ ٢٥٠)، و«الجوهر النقي»: (٧/ ١١٧)، و«تهذيب السنن»: (٣/ ٤٠)، و«أعلام الموقعين»: (٢/ ١٠٥)، و«صحيح أبي داود - الأم» (١٨٢٧).
وثبت عنه في «الصَّحيح»١ أنَّه قال: «لا تُنكَح البكر حتَّى تُستأذن»، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت».
وفي «صحيح مسلم»٢: «والبكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صُماتها».
وموجَب هذا الحكم أنَّه لا تُجبَر البكر البالغ على النِّكاح، ولا تُزوَّج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السَّلف، ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايات٣ عنه٤، وهو القول الذي ندينُ الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله ﷺ وأَمْره ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمَّته.
أمَّا موافقته لحكمه، فإنَّه حَكَم بتخيير البكر الكارهة، وليس رواية هذا الحديث مرسلةً بِعِلَّةٍ فيه، فإنَّه قد رُوي مسندًا ومرسلًا، فإن قلنا بقول الفقهاء: إنَّ الاتصال زيادةٌ، ومَن وصَلَه مقدَّمٌ على من أرسله، فظاهرٌ، وهذا تصرُّفهم في غالب الأحاديث، فما بال هذا خرج عن حُكْم أمثاله؟! وإن حكمنا بالإرسال كقول كثيرٍ من المحدِّثين، فهذا مرسلٌ قويٌّ قد عضَدَتْه الآثارُ الصَّحيحة الصَّريحة، والقياس، وقواعد الشَّرع، كما سنذكره، فيتعيَّن القول به.
وأمَّا موافقة هذا القول لأمره، فإنه قال: «والبكر تُستأذن»، وهذا أمرٌ مؤكَّدٌ؛ لأنَّه ورد بصيغة الخبر الدَّالِّ على تحقُّق٥ المُخْبَر به وثبوتُه ولزومُه،
(١) رواه البخاري (٥١٣٦)، ومسلم (١٤١٩) من حديث أبي هريرة ﵁ .