وثبت عنه في «الصَّحيح»١ أنَّه قال: «لا تُنكَح البكر حتَّى تُستأذن»، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت».
وفي «صحيح مسلم»٢: «والبكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صُماتها».
وموجَب هذا الحكم أنَّه لا تُجبَر البكر البالغ على النِّكاح، ولا تُزوَّج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السَّلف، ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايات٣ عنه٤، وهو القول الذي ندينُ الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله ﷺ وأَمْره ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمَّته.
أمَّا موافقته لحكمه، فإنَّه حَكَم بتخيير البكر الكارهة، وليس رواية هذا الحديث مرسلةً بِعِلَّةٍ فيه، فإنَّه قد رُوي مسندًا ومرسلًا، فإن قلنا بقول الفقهاء: إنَّ الاتصال زيادةٌ، ومَن وصَلَه مقدَّمٌ على من أرسله، فظاهرٌ، وهذا تصرُّفهم في غالب الأحاديث، فما بال هذا خرج عن حُكْم أمثاله؟! وإن حكمنا بالإرسال كقول كثيرٍ من المحدِّثين، فهذا مرسلٌ قويٌّ قد عضَدَتْه الآثارُ الصَّحيحة الصَّريحة، والقياس، وقواعد الشَّرع، كما سنذكره، فيتعيَّن القول به.
وأمَّا موافقة هذا القول لأمره، فإنه قال: «والبكر تُستأذن»، وهذا أمرٌ مؤكَّدٌ؛ لأنَّه ورد بصيغة الخبر الدَّالِّ على تحقُّق٥ المُخْبَر به وثبوتُه ولزومُه،
(١) رواه البخاري (٥١٣٦)، ومسلم (١٤١٩) من حديث أبي هريرة ﵁ .
وأمَّا موافقته لقواعد شرعه، فإنَّ البكر العاقلة البالغة١ الرَّشيدة لا يتصرَّف أبوها في أقلِّ شيءٍ من مالها إلا برضاها، ولا يجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف يجوز أن يرقَّها، ويخرج بُضْعها منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي مِن أكره النَّاس فيه، وهو من أبغضِ شيءٍ إليها؟ ومع هذا فينكحها إيَّاه٢ قهرًا بغير رضاها٣، ويجعلها أسيرةً عنده، كما قال النَّبيُّ ﷺ: «اتَّقوا الله في النِّساء، فإنَّهنَّ عوانٍ عندكم»٤ أي: أسرى. ومعلومٌ أنَّ إخراج مالها كلِّه بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها. ولقد أبطلَ مَن قال: إنَّها إذا عيَّنت كفوًا تحبُّه، وعيَّن
(١) كذا في س، د، ي. وفي ز، ن: «البالغ العاقل»، وفي ب، ث: «البالغ العاقلة»، وفي المطبوع: «البالغة العاقلة».
(٢) في النسخ: «أما» ولا وجه لها، والمثبت من ط الهندية.
(٣) بعده في المطبوع: «إلى من يريده» ولا وجود لها في النسخ، والمعنى بدونها مستقيم.
(٤) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في «المسند» (٢٠٦٩٥) من حديث أبي حُرَّة الرَّقاشي، عن عمه، وفيه علي بن زيد بن جُدعان وهو ضعيف، وأبو حرة وثقه أبو داود وضعَّفه غيره، ينظر «مجمع الزوائد»: (٣/ ٢٦٦). وأخرجه بنحوه الترمذي (١١٦٣، ٣٠٨٧)، وابن ماجه (١٨٥١)، من حديث عمرو بن الأحوص، وفي سنده مجهول، ويشهد له ما قبله، قال الترمذي: «حسن صحيح»، وهو عند مسلم (١٢١٨) من حديث جابر الطويل، دون قوله: «فإنهن عوان عندكم». ينظر: «الإرواء» (١٩٩٧، ٢٠٣٠، ٢١٥٦).