وكانت سيرته مع أزواجه حسن المعاشرة وحسن الخلق. وكان يسرِّب إلى عائشة بناتِ الأنصار يلعبن معها. وكان إذا هوِيَتْ شيئًا لا محذور فيه تابعها عليه. وكانت إذا شربت من الإناء أخَذَه، فوضع فمه على موضع فمها، وشرب١. وإذا تعرَّقت عَرْقًا ــ وهو العظم الذي عليه اللحم ــ أخذه، فوضع فمه على موضع فمها. وكان يتكئ في حَجْرها، ويقرأ القرآن ورأسُه في حَجْرها وربما كانت حائضًا. وكان يأمرها وهي حائض فتتَّزِر، ثم يباشرها. وكان يقبِّلها وهو صائم.
وكان من لطفه وحسن خلقه مع أهله أنه يمكِّنها من اللعب، ويُريها الحبشةَ وهم يلعبون في مسجده، وهي متكئة على منكبه تنظر. وسابَقَها في السفر على الأقدام مرَّتين، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرةً.
وكان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيَّتُهنَّ خرج سهمُها خرج بها معه، ولم يقض للبواقي شيئًا. وإلى هذا ذهب الجمهور٢.
وكان يقول: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي»٣.
وكان ربما مدَّ يده إلى بعض نسائه بحضرة باقيهن٤.
وكان إذا صلَّى العصر دار على نسائه، فدنا منهن، واستقرى أحوالهن.
(٣) أخرجه الدارمي (٢٣٠٦) والترمذي (٣٨٩٥) من حديث عائشة، وصححه الترمذي وابن حبان (٤١٧٧) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٨٥).
(٤) انظر: حديث أنس في «صحيح مسلم» (١٤٦٢).
فإذا جاء الليل انقلب إلى بيت صاحبة النوبة، فخصَّها بالليل. وقالت عائشة: كان لا يفضِّل بعضنا على بعض في مُكْثِه عندهن في القَسْم، وقلَّ يوم إلا كان يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كلِّ امرأة من غير مسيس، حتَّى يبلغ التي هو في يومها١، فيبيت عندها٢.
وكان يقسِم لثمانٍ منهن دون التاسعة. ووقع في «صحيح مسلم»٣ من قول عطاء أن التي لم يكن يقسِم لها هي صفية بنت حُيَيّ، وهو غلط من عطاء ﵀٤، وإنما هي سودة، فإنها لما كبرت وهبت يومها لعائشة٥. وكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومَها ويومَ سودة.
وسبب هذا الوهم ــ والله أعلم ــ أن رسول الله ﷺ كان قد وجد على صفية في شيء، فقالت لعائشة: هل لكِ أن ترضي رسول الله ﷺ عنِّي وأهبَ لكِ يومي؟ قالت: نعم. فقعدت عائشة إلى جنب النبي ﷺ في يوم صفية، فقال: «إليكِ عنِّي يا عائشة، فإنه ليس يومك»، فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه
(١) غُيِّر في ن إلى: «نوبتها».
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٧٦٥) وأبو داود (٢١٣٥) ــ واللفظ له ــ والطبراني في «الأوسط» (٥٢٥٤) والحاكم (٢٧٦٠) والبيهقي (٧/ ٧٤، ٣٠٠). والحديث صححه الحاكم وحسنه الألباني، انظر: «الإرواء» (٧/ ٨٥) و«صحيح أبي داود- الأم» (٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣).
(٣) برقم (١٤٦٥/ ٥١).
(٤) ذكر الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٦/ ١٣١ - ١٣٢) أن الغلط من ابن جريج الراوي عن عطاء، فإن في رواية عمرو بن دينار عن عطاء أنها سودة.
(٥) انظر حديث عائشة في «صحيح البخاري» (٢٥٩٣، ٢٦٨٨، ٥٢١٢).