السَّابع: أنَّ ابنَ أختها يزيد بن الأصمِّ شهد أنَّ رسول الله ﷺ تزوَّجها حلالًا، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عبَّاسٍ. ذكره مسلم١.
فصل
وأمَّا نكاح الزَّانية: فقد صرَّح سبحانه بالحكم بتحريمه في سورة النُّور، وأخبر أنَّ من نكَحَها فهو إمَّا زانٍ أو مشركٌ، فإنَّه إمَّا أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يلتزمه ولم يعتقده فهو مشركٌ، وإن التزمه واعتقد وجوبَه وخالفه فهو زانٍ، ثمَّ صرَّح بتحريمه فقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾[النور: ٣].
ولا يخفى أنَّ دعوى نسخ الآية بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾[النور: ٣٢] مِن أضْعَف ما يُقال، وأضعفُ منه حَمْل النِّكاح على الزِّنا، إذ يصير معنى الآية: الزَّاني لا يزني إلا بزانيةٍ أو مشركةٍ، والزَّانية لا يزني بها إلا زانٍ أو مشركٌ، وكلام الله ينبغي أن يُصان عن مثل هذا.
وكذلك حَمْل الآية على امرأةٍ بغيٍّ مشركةٍ في غاية البعد عن لفظها وسياقها، كيف وهو سبحانه إنَّما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفَّة، فقال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾[النساء: ٢٥]، فإنَّما أباح نكاحها في هذه٢ الحال دون غيرها، وليس هذا من باب دلالة المفهوم، فإنَّ الأبضاع في الأصل على التَّحريم، فيقتصر في إباحتها على ما
(١) حديث (١٤١١).
(٢) ز، د، ن: «هذا».
ورد به الشَّرع، وما عداه فعلى أصل التَّحريم.
وأيضًا فإنَّه سبحانه قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾[النور: ٢٦]. والخبيثات: الزَّواني. وهذا يقتضي أنَّ من تزوَّج بهنَّ فهو خبيثٌ مثلهنَّ.
وأيضًا فمن أقبح القبائح أن يكون الرَّجلُ زوجَ بغيٍّ، وقُبْح هذا مستقرٌّ في فِطَر الخلق، وهو عندهم غاية المسبَّة.
وأيضًا: فإنَّ البغيَّ لا يؤمَن أن تُفسِدَ على الزوج١ فراشَه، وتعلِّق عليه أولادًا من غيره، والتَّحريم يثبت بدون هذا.
وأيضًا: فإنَّ النبيَّ ﷺ فرَّق بين الرَّجل وبين المرأة التي وجدها حُبْلى من الزِّنا٢.
وأيضًا: فإنَّ مرثد بن أبي مرثد الغَنَوي استأذن النبيَّ ﷺ أن يتزوَّج عَناق وكانت بغيًّا، فقرأ عليه رسول الله ﷺ آية النُّور، وقال: «لا تنكحها»٣٤.
(١) ي، وط الرسالة: «الرجل».
(٢) أخرجه أبو داود (٢١٣١)، والحاكم: (٢/ ١٨٣) من حديث ابن المسيب، عن رجل يقال له: بصرة، قال: تزوجت امرأة بِكرًا في سِترها، فدخلتُ عليها، فإذا هي حُبلى، فقال النبي ﷺ: «لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فإذا وَلدتْ فاجلدوها»، وهو حديث ضعيف، وقد سبق تخريجه.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٠٥١)، والترمذي (٣١٧٧)، والنسائي (٣٢٢٨) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن مرثد ﵁، وله طرق أخرى، قال الترمذي: «حديث حسن غريب»، وصححه الحاكم: (٢/ ١٦٦)، والألباني في «صحيح أبي داود - الأم»: (٦/ ٢٩٢).
(٤) إلى هنا تنتهي نسختي تشستربتي (ي)، وأحمد الثالث (ث)، وتبدأ نسختا دار الكتب (م)، والحرم المكي (ح).